مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كن عادلًا.. فلكلًّ مكانه

Img 20241030 Wa0051

 

كتبت: هاجر حسن 

 

 

دق يوسف باب غرفة المدير واستأذن للدخول، ثم دخل بخطوات مترددة وعيناه تتجهان إلى الأرض.

 

قال المدير بلهجة صارمة: “يوسف، ما هذا الذي فعلته في طابور الصباح؟ كيف تترك الإذاعة المدرسية بغضب؟”

 

رفع يوسف رأسه ببطء وقد بدت على وجهه ملامح الحزن والضيق، وأجاب بصوت مختنق: ” اعتذر، حضرة المدير، لكنني شعرت أنني لم أُعط حقي. أرى أنني الأحق من عدنان بافتتاح الإذاعة المدرسية وتلاوة القرآن الكريم، وليس الشعر.” 

 

أجاب المدير، وملامح وجهه تتغير قليلًا: “ولماذا تعتقد أنك الأحق يا يوسف؟ عدنان مميز في التلاوة وصوته عذب، وهذا لا يقلل من قدراتك.”

 

انفجرت مشاعر يوسف، وقال: ” لكنني ابنك، وأنت مدير المدرسة، وأنا أيضًا احفظ القرآن جيدًا، كيف يمكن أن تختاروا شخصًا آخر؟” 

 

شعر المدير بشيء من الإحباط، ثم قال بهدوء: “اسمعني، يا يوسف. اختياري لعدنان لم يكن لأنه أعلم منك، بل لأنه الأنسب للتلاوة، لأنه يمتلك صوتًا عذبًا ونديًا، ويتقن أحكام التجويد. يا بني، علينا أن نتعلم تقييم الآخرين بناءً على قدراتهم، وليس بناءً على مناصبهم أو قرابتهم.”

 

 نظر يوسف إلى الأرض، وبدأ يتفكر في كلام والده. ثم قال: “لكنني شعرت بالغيرة، وأحسست أنك تميز عدنان عني، فتصرفت بسوء.”

 

رد المدير: “افهم شعورك، ولكن دعني أخبرك قصة. عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أراد وسيلة لجمع الناس إلى الصلاة. اقترح البعض استخدام جرس أو ناقوس، لكن النبي لم يرغب في ذلك حتى لا يتشبه بالنصارى واليهود. وفي يوم، جاءه الصحابي عبد الله بن زيد وأخبره أنه رأى في المنام صيغة للآذان، وقصها على النبي. أعجب النبي بالآذان، وقال لعبد الله بن زيد: ‘اذهب وعلمها لبلال بن رباح، فهو أندى صوتًا.’ تقبل عبد الله الأمر بروح طيبة ولم يغضب، رغم أنه أول من رأى الرؤيا.”

 

ثم أضاف المدير: “يا بني، هل تعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ‘لا يشم ريح الجنة من ولّي الناس عملًا وفي الناس خيرًا منه.’ هل تريد أن يميزك والدك كونه المدير ويخالف حديث الرسول؟”

 

نظر يوسف بخجل وصمت إلى الأرض، فقال المدير: “لقد اخترتك المدرسة لإلقاء الشعر، لأن لديك حضورًا قويًا وتستطيع الإلقاء. لكلٌ مكانه يا ولدي. ولا يجب أن أظلم زميلك عدنان، فصوته ندي وعذب في تلاوة القرآن، وهذا لا يقلل من قدرك بشيء.”

 

تنهد يوسف، وقد أدرك الدرس، وقال: “فهمت الآن. أعتذر عن تصرفي يا أبي، سأعتذر لعدنان، وأتمنى له الخير، وسأعتذر لمشرف الإذاعة. سأتعلم كيف أكون عادلًا وأحب الخير لغيري.”

 

ابتسم المدير وقال: “هذا هو الدرس الذي أردت أن تتعلمه، يا بني. الفخر يأتي من العمل الجاد، ومن وضع كل صاحب مهارة في مكانه الصحيح، وليس من الألقاب أو المناصب. القيادة الحقيقية تكمن في اختيار الأنسب لمصلحة الجميع، وليس لمصلحة شخصية.”

 

خرج يوسف من غرفة والده المدير، عازمًا على تغير سلوكه، حاملًا في قلبه رؤية جديدة في التواضع والأخلاق.