مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كما تُسقى البذور… تُربّى العقول

بقلم/ يحيى القطب 

سألني أحدهم: كيف تُربّي أبناءك؟

فقلت له: أرأيتَ البذرة حين تُنبش الأرض وتُغرس فيها؟ أتتركها؟

قال: لا.

قلت: فإذا شقّت الأرضَ نبتتُها، أتدعها؟

قال: لا، بل أراعيها بالسقي حتى تصير شجرة.

قلت: فلو لم تفعل، ما نبتت البذرة، أو ماتت النبتة في مهدها، أو صارت شجرةً مال جذعها حتى قطعت على الناس طرقهم وآذتهم، فإذا فاض بهم الكيل بتروها واجتثّوها من الأرض.

كذلك ابنك، أو ابنتك.

لا تغرس في نفسه بذرة فكرة، أو معلومة، ثم تتركها تتفرّع في داخله بلا رعاية، حتى تتشابك أغصانها وتمزّق كيانه وذاته.

لا تتركه يستنبط منها وحده، ولا تدعه يمتصّها فيخرج بها إلى معنى لم تبلغه أنت بتجربتك، ولا قادك إليه وعيك ولا بصيرتك.

وإنما تُتبع السلوك بالنتائج، وتُقوَّم بالتوجيه، وتُحفَظ بالرقابة، حتى تمام النضج واكتمال الفهم.

تمامًا كالمعلّم؛ يوجّه صبيانه، ويراقب أداءهم، ويعدّل اعوجاجهم، حتى يُكسبهم فنون الصنعة، ويسقيها لهم سقيًا… فتستقيم.

هذه الاستعارة ليست ترفًا لغويًا، بل توصيف دقيق لطبيعة التربية ذاتها. فالتربية ليست فعل غرس فحسب، بل فعل متابعة مستمرة، وتدخّل محسوب، وحضور واعٍ لا ينقطع بانقطاع الطفولة. والخطر الحقيقي لا يكمن في الفكرة التي نزرعها، بل في الفكرة التي نزرعها ثم نتركها دون رعاية.

كثير من الآباء يظنون أن دورهم ينتهي عند بثّ القيم أو تلقين المبادئ، وكأن الفكرة — بعد أن تُلقى — ستنمو وحدها في الاتجاه الصحيح. غير أن العقل البشري لا يعمل بهذه البساطة. فالفكرة التي لا تُرافق، ولا تُناقَش، ولا تُراجَع، قد تتفرّع في اتجاهات غير متوقعة، وربما معاكسة تمامًا لما أُريد لها في الأصل.

الطفل لا يستقبل الأفكار في فراغ، بل يتلقّاها داخل عالم ممتلئ بالمؤثرات والأسئلة والتجارب والاحتكاكات. وحين تُترك الفكرة وحدها، بلا سياق ولا توجيه، فإنه يعيد تركيبها وفق أدواته المحدودة، وخبرته الناقصة، واندفاعه الفطري نحو الاكتشاف. هنا لا يكون الخطأ في ذكائه، بل في غياب من يُنير له الطريق.

التوجيه لا يعني المصادرة، والرقابة لا تعني القمع، كما أن التقويم لا يعني كسر الإرادة. الفارق الدقيق بين التربية السليمة والتسلّط الأعمى هو أن الأولى تحضر لتشرح وتُصحّح وتُعيد المعنى إلى موضعه، بينما الثانية تكتفي بالأمر والنهي ثم تتراجع. التربية الواعية تُرافق الفكرة حتى تنضج، لا حتى تُطاع.

وإذا كان بعض الآباء يخشون التدخّل خوفًا من كبح شخصية أبنائهم، فإن الواقع يُثبت أن الغياب أخطر من الحضور. فالفكرة التي تُترك بلا توجيه لا تُنتج حرية، بل تُنتج تشوّهًا. تمامًا كما أن الشجرة التي تُترك بلا تقويم لا تنمو حرة، بل تنمو معوجّة، حتى تصبح مؤذية لنفسها ولغيرها.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله بأبنائنا هو أن نحمّلهم أفكارًا أكبر من أعمارهم، ثم نطالبهم بحسن إدارتها وحدهم. فالفكرة مسؤولية، ومن زرعها كان عليه أن يتحمّل عبء رعايتها، حتى تكتمل أدوات الفهم، وتتوازن القدرة على الاستنباط، ويصبح العقل قادرًا على التمييز لا التلقّي فقط.

التربية، في جوهرها، ليست إنتاج أبناء صالحين بالمعنى السطحي، بل إعداد عقول مستقيمة؛ عقول تعرف لماذا تؤمن، ولماذا ترفض، وكيف تُراجع نفسها، ومتى تُعيد النظر. وهذا لا يتحقق بالغرس وحده، بل بالسقي الطويل، والصبر، والحضور، والمراقبة الرحيمة.

وكما أن الشجرة المستقيمة تظل نفعًا لأهلها وللناس، فإن العقل الذي رُبّي على التوجيه لا يكون عبئًا على المجتمع، ولا سببًا في أذاه. أما ما يُترك لينمو بلا رعاية، فمصيره — عاجلًا أو آجلًا — أن يُواجَه بالاقتلاع، لا لأنه شرير بطبعه، بل لأنه تُرك وحيدًا حتى اختلّ.