مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في السَابعِ عشرَ من يناير بقلم نجم الدين معتصم حضرة البنفسج

_ في السَابعِ عشرَ من يناير
الكاتب: نجم الدين معتصم (حضرة البنفسج)

مِن بيـن النُّجيمـــات…
كُنـتَ بدرًا فـي مولـده الرّابـعَ عشر،
كنـتَ…
سمفونية لمْ تُعزف لتطربنـا،
ولكـن أُلحنـت لتكـون رمزً يتوشحنـا،
وشعارًا لم يحظـى به إلا ذو السمع الرفيع.

وما زلت الصّوت الذي يكسو مشاعرنا
والصّدى الذي يتردّدُ في دواخلــنا،
والأغنية التي ما زالت تصطحبنـا؛
في الشوارع والأسواق، في المنديات
والمواصلات الخاصة والعامة.

في ذاك اليـوم من عشرين عامًا كنتَ نادلَ أبي في جلساته النفسية، فأبي كان مثقفًا جدًّا، يسابق الرُقي على أسطر الكُتب، كان يردد كلمات لم أفقهها آنذاك فقد كان يقول:
“طروني ليك
وانا كنت قايل
اصلي ما بطارك تاني”.

تغلغلت الكلمات بقلبي، فأدركت أنّ هذا الفن لا يضاهيه الفن الذي كنت أسمعه رُفقةَ أصدقائي.

أصبحت أتردد على جهاز الكمبيوتر لأنهل منه المزيد، كنتُ أشعر أنّني فريدٌ عن بقيّةِ رفقائي، فقد كان يغمرني الحب حينما أستمع إلى (توأم روح _ عمري _ يا عمر _ يا مدهشه) ولم أكن أحب آنذاك.

كان يغمرني الشوق في مهدي حينما أكون حبيس ( شوق العيون _ صمت الشوق _ بسأل عليك) وأستشعر لدغاته حينما أتوه في (ليل الشجن والشوق).

كنتُ أعظّم نفسي عاطفيًّا؛ أتوشَّح اللامبالاة وأنا أردِّد:
” تروح إن شاء الله في سنين
تغور إن شاء الله في ستّين ”

ولكن أعود بنيران الحنين منكسرًا وأنا على متن (حنيني ليك _ شايل جراح) أهمس صمتًا:
“ضميني لو كان في الخيال
ختيني لحظات بين إيديك”

في مثل هذا اليوم منذ ثلاثةَ عشرَ ربيعًا رَحلْتَ باقيًا فينا، ورَحَلت معك قصيدةٌ لم تكتب، وألبومٌ لم يولد، وكلماتٌ لم تُلحّن، وأغنيةٌ لم تتمايل معها ذواتنا.

في مثل هذا اليوم منذ ثلاثة عشر ربيعًا، كنتُ عائدًا من المدرسة لتناول الفطور رُفقةَ أفرادِ الأسرة، وحين وصولي وجدت المنزل هادئًا جدًا، شحب الملامح يكسوه حزنٌ، تَنوحُ أوراق الشّجر، ولا صوت لزقزقة الطّيور.

دخلت الغرفه التي نجتمع فيها، فتوقّف قلبي قبيل خطواتي وأنا أحدّق أسفل شاشةِ التّلفازِ، فقد كان هناك خبرٌ عاجلٌ بإطارٍ أحمرَ دامي قادمٌ من الأردن كان محتواه:
“محمود عبد العزيز لبّى نداء ربّه ”

في تلك اللحظةأدركت معنًى آخرَ للصّدمة، معنًى لا يحتاج لإسعافات أوّليّة أو غرفة انعاش، ولكن يحتاج لآلة زمنٍ لأعود بها ساعةً واحدةً فقط، لكي لا أعود للمنزل أو أن أدعي الصيام، وربما أحتاجها لأكثر من ذاك.

عدت إلى المدرسة كما أتيت، وفي المدرسةِ كنتُ صامتًا غير عادتي، أنظر ولا أرى، أسمع ولا أفقه، أُلامس ولا أستشعر فقدت جميع حواسّي، فقد كنت لا أرى إلا صورتك وأنت تغنّي للوطن، ولا أسمع إلاّ لحنَ أغنيةِ (ساب البلد)، ولا أستشعر إلاّ المًا يهمس لي:
-ابقي الصمود

وبينما أنا على ذالك سمعتُ أمي تقول:
-هيا بُنيّ الافطار جاهز
لأجد نفسي حبيس إطارٍ أحمر أخبرني للتوّ عن رحيلك عنا.

أريد أن أخبرك يا محمود:
بأنّه بعد ثلاثةَ عشرَ عاماً من الرّحيل، لازلت ( قائد الأسطول)
وأنك الصوت الذي يرافقنا، يرافقنا بكل مراحل الحياة.
أطفالاً _ شبابًا _ رجالاً _وشيّابًا

أريد أن أخبرك عن الأطفال الذين تركتهم، فقد كبرو وكبُر معهم ذلك (الحلم الجميل)

أريد أن أخبرك عن (أم لهيج عيسل) فقد طال انتظارها- كما كنت تدّعي أنت، وزنوبةً ما زالت ترقص (الكِرن).

شمسُ المزادِ لَمْ تشرق من بعدك
والحواته (كلمتني عيونهم) عنك كثيرًا، فقد أحرقهم (لهيبُ الشّوقِ) في محطّة القطار الذي تأخّر عن مِعاده.