مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

عنوان الفصل: الفصل الثالث – عمق النفس

عنوان الجزء: الجزء الثالث – أثر الخوف على تشكّل الأعماق

 

حين توغّلت أكثر فى فهم النفس، وجدت أن الخوف ليس مجرد شعور عابر كما يظنه الناس، بل هو معمار داخلى يُعاد بناؤه كل يوم، حتى يصبح جزءًا من بنية الشخصية ذاتها. فالخوف لا يبقى خارج الإنسان، بل يدخل إليه مثل الماء الذى يتسرّب بين الشقوق، فيتخذ شكلها، ويُعيد صلابتها أو يُفتّتها.

وأعترف أننى لم أكتشف أثر الخوف دفعة واحدة، بل كان الأمر أشبه بإزاحة ستار من ستائر النفس، ستارًا بعد ستار، حتى بدت لى الحقائق فى وضوح لم أعتده. كنت أظن أن خوف الإنسان مرتبط بما حوله: الظروف، الناس، الفرص، المستقبل. لكنّ ما وجدته فى داخلى – ثم رأيته عند غيرى – أن الخوف الحقيقى يبدأ من تفسير النفس للأحداث، وليس من الأحداث ذاتها.

لقد رأيت أشخاصًا يعيشون الخوف فى كل خطوة، رغم أنهم لم يمروا بتجارب قاسية تبرّر تلك الحساسية. ورأيت آخرين يواجهون الأهوال وكأن شيئًا لم يحدث. ففهمت أن الخوف ليس مرآة للواقع، بل مرآة للنفس، تُكبّر ما تخشاه وتُصغّر ما يمكن أن يمنحها الطمأنينة.

حين بدأت أسأل نفسى: لماذا يخاف الإنسان؟ لم أجد إجابة واحدة. بل وجدت أن الخوف ينشأ من ثلاثة منابع كبرى، وكل منبع منها يصنع أثرًا مختلفًا على الأعماق:

أولًا: خوف منشؤه الجرح القديم.

ذاك النوع الذى يتكوّن فى لحظة ضعف، أو صدمة مبكرة، أو انكسار لم يجد صاحبه من يضمّد أثره. هذا الخوف لا يختفى… بل يتخفّى. يتحول إلى صوت خافت يُذكّر الإنسان بأنه هشّ، وأن أى تجربة قد تكرر الألم ذاته. وقد يظل الإنسان أسيرًا لذكرى لا تتجاوز ثوانى، لكنها تظل تحكم سنين عمره.

ثانيًا: خوف منشؤه المقارنة.

وهو أخطر مما يبدو للوهلة الأولى. فالإنسان حين يقيس نفسه على الآخرين، يبدأ فى بناء نموذج داخلى يخشاه كل يوم. يخاف أن يتراجع عن صورة ليست صورته، وأن يخسر سباقًا لم يختره. وهذا النوع من الخوف يأكل النفس من الداخل، لأنه يجعل الإنسان يعيش حياة ليست حياته.

ثالثًا: خوف منشؤه الجهل بالنفس.

فالمرء إذا لم يعرف قدراته، ولم يفهم حدوده، ولم يدرس نقاط ضعفه، يعيش فى وهم أنّ كل خطوة مخاطرة، وكل قرار مغامرة، وكل باب مجهول تهديد. هذا الجهل يجعل النفس كأنها تسير فى ظلام، وكل صوت فى الظلام يتحول إلى خطر.

ومع مرور الأيام، أدركت أن الخوف لا يهاجم الإنسان مرة واحدة، بل ينساب إلى داخله ببطء، حتى يصبح جزءًا من شخصيته، وجزءًا من طريقته فى اتخاذ القرار، بل وجزءًا من نظرته إلى ذاته. فيحيا الإنسان سجينًا فى قفص لا وجود له إلا فى عقله.

أذكر أننى لوقت طويل كنت أخلط بين الحذر والخوف. وكنت أظن أن الابتعاد عن المخاطر حكمة، حتى أدركت أن الحكمة ليست فى تجنّب الخطر، بل فى عدم السماح للخوف بتشكيل هوية النفس. فالحذر سلوك… لكن الخوف عقيدة.

ولأننى كنت أتأمل عمق النفس، لاحظت أن الخوف لا يختفى حين يتجاهله الإنسان، بل يختفى حين يفهمه. فالنفس لا تُشفى بالقوة، ولا بالقمع، بل بالفهم. أن تجلس مع خوفك، وتسمع صوته، وتفهم من أين جاء، ولماذا يسكن داخلك منذ كل هذا الوقت.

حين واجهت مخاوفى وجهًا لوجه، اكتشفت أنها ليست وحوشًا، بل رسائل. وكل رسالة كانت تفتح بابًا لفهم أعمق للنفس. فبعض المخاوف تطلب الشجاعة، وبعضها يتطلب الصبر، وبعضها لا يحتاج سوى أن يعترف الإنسان بضعفه دون خجل.

ولذلك أقول للقارئ الآن:

إن عمق النفس لا يُقاس بما تخفيه من قوة، بل بما تعترف به من خوف. فالقوة لا تنهض إلا على أرض صلبة، وهذه الأرض لا تُبنى إلا حين تُنقّى النفس من مخاوفها.

 

رسالة الجزء الثالث

“الخوف لا يزول حين تهرب منه، بل حين تمسكه بيدك وتفهم لماذا وُلد داخلك.”

 

#هانى_الميهى

#كتابونفسوما_سواها