مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب ونفس وما سواها بقلم هاني الميهي

الفصل السادس – سُلطة الذات

اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الجزء الثاني – حين تستعيد النفس زمام القيادة

 

لم تكن استعادة زمام القيادة حدثًا مفاجئًا، بل تحوّلًا هادئًا لا يُرى من الخارج. كأن النفس، بعد طول تردد، قررت أن تتقدم خطوة إلى الأمام، لا لتُخاصم ما حولها، بل لتُدير وجودها بوعى. عند هذه النقطة، شعرت أننى لم أعد أُساق بالأحداث، بل أتعامل معها من موقع الفهم لا الانفعال.

حين تستعيد النفس قيادتها، يتغير شكل الصراع. لم يعد الصراع بينى وبين العالم، بل بين ما أريده حقًا، وما اعتدت عليه طويلًا. العادة كانت أقوى خصومى؛ لأنها تتخفى فى صورة الأمان. لكن النفس الواعية لا تقبل أن تُدار بالاعتياد، بل بالاختيار.

تعلمت أن القيادة الداخلية لا تعنى الصلابة الدائمة، بل المرونة المنضبطة. أن أعرف متى أُقدِم، ومتى أتراجع، دون أن أُفسر التراجع ضعفًا، أو أُقدّم الاندفاع على أنه شجاعة. القيادة هنا هى فن التوقيت، لا مجرد اتخاذ القرار.

فى هذه المرحلة، بدأت ألاحظ كيف تتغير علاقتى بالوقت. لم أعد أتعجل النتائج، ولم أعد أهرب من الانتظار. أدركت أن النفس القائدة لا تُطالب الحياة بالإسراع، بل تُحسن السير. وأن كثيرًا من الاضطراب الذى عشته سابقًا لم يكن سببه الظروف، بل غياب القيادة الداخلية.

واحدة من أهم علامات استعادة زمام القيادة كانت قدرتى على تحمّل الفراغ دون هلع. لم أعد أملأ كل صمت بكلام، ولا كل فراغ بفعل. صرت أحتمل التوقف، وأثق أن النفس المستقرة لا تخشى السكون، لأنها تعرف اتجاهها حتى فى الصمت.

القيادة الداخلية كشفت لى حقيقة مؤلمة: أننى كنت أتنازل أحيانًا لا بدافع الرحمة، بل بدافع الخوف من المواجهة. وحين واجهت هذا الإدراك بصدق، بدأت حدودى تستقيم دون صدام. النفس القائدة لا تحتاج إلى ضجيج لتُثبت حضورها، يكفيها الوضوح.

ومع الوقت، تراجعت الرغبة فى التبرير. لم أعد أشعر بحاجة إلى شرح اختياراتى لكل أحد. ليس تعاليًا، بل لأن القيادة على الذات تُنتج هدوءًا داخليًا لا يبحث عن تصديق خارجى. من يعرف لماذا اختار، لا يقلقه سوء الفهم.

أدركت أيضًا أن القيادة ليست حالة دائمة، بل مسؤولية تُختبر يوميًا. كل موقف يعيد السؤال من جديد: من يقود الآن؟ الوعى أم الانفعال؟ الفهم أم الخوف؟ ومع كل إجابة صادقة، كانت النفس تزداد رسوخًا.

فى نهاية هذا الجزء من الرحلة، فهمت أن استعادة زمام القيادة لا تجعل الحياة أسهل، لكنها تجعلها أوضح. والوضوح، مهما كان قاسيًا، أرحم من العيش فى فوضى داخلية لا اسم لها.

 

رسالة الجزء

حين تستعيد النفس زمام قيادتها، يتحوّل الصراع من فوضى إلى مسؤولية

 

#هاني_الميهى

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا