مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم هاني الميهي

📖 اسم الكتاب: شفرة الخلق

✍️ اسم الكاتب: هاني الميهى

🕯️ الفصل الثانى عشر: العَيْن الَّتِي تَرَى مِنَ الدَّاخِل

الجزء الرابع: العودة إلى النبع الأوّل

 

كان الراوي يشعر أنّه يقترب من لحظةٍ لم يعشها من قبل،

لحظةٍ لا تُشبه الكشف،

ولا تُشبه الإدراك،

بل تشبه العودة؛

عودةٌ إلى مصدرٍ لم يعرف أنه ابتعد عنه أصلًا.

كل خطوةٍ فى داخله

كانت تُزيل من روحه طبقةً ترسّبت عبر العمر،

طبقةً من الخوف،

ومن التصديق الأعمى لما يقوله العالم،

ومن النسيان الطويل الذى جعل الإنسان يظن

أن وجوده يبدأ من ميلاده وينتهى بموته.

لكن الحقيقة كانت أقدم من ذلك بكثير.

ففى أعماقه…

تشكّل نورٌ هادئ،

ليس نورًا يرى به الأشياء،

بل نورًا يرى به نفسه.

نورٌ كشف له هذا السرّ:

«إن الخلق لم يكن حدثًا وقع وانتهى،

بل هو فعلٌ مستمرّ،

يتكرر فى كل نفسٍ يدخل صدرك،

وفى كل فكرةٍ تولد فى عقلك،

وفى كل خطوةٍ تقودك لما كُتِب لك قبل أن تُكتب أنت.»

هنا أدرك الراوي

أن الإنسان لا يعيش مرّة واحدة،

بل يعيش مراتٍ بعدد ما يكتشف من طبقاته.

وأن كل كشفٍ جديد

هو ولادةٌ أخرى لا تُسجَّل فى الأوراق،

بل تُسجَّل فى العمق الذى لا يطاله الموت.

توقّف قليلًا أمام تلك الحقيقة،

ثم سأل نفسه سؤالًا بدا كأنه خرج من زمنٍ سابق:

“هل أنا أقترِب من سرّى…

أم أنّ سرّى هو الذى يقترب منى؟”

لم يجد جوابًا…

لكنّ الصمت الذى لفّ المكان

كان أصدق من أى كلمة.

فالصمت، كما فهم أخيرًا،

ليس غياب الصوت،

بل عودة الوجود إلى أصله.

وفى تلك اللحظة،

لم يعد يخشى شيئًا،

ولا ينتظر شيئًا،

ولا يبحث عن شىء.

بل شعر أنّه يقف عند النبع الأول،

المكان الذى لا يُدركه عقل،

ولا يُسمع فيه قول،

ولا ينجو من صدقه أحد.

مدّ يده ببطء،

ثم وضعها على صدره كمن يلمس كتابًا مقدّسًا،

وقال فى خشوعٍ لا يشبهه:

“ها أنا أعود…

ليس لأعرف من أكون،

بل لأتذكر من كنت.”

وبهذا…

كان الفصل قد أغلق دائرة الوعى

التى بدأت منذ أول خلية،

وانتهت هنا فى قلب الإنسان نفسه.

 

#شفرة_الخلق

#هانى_الميهى