مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هاني الميهى

كتاب الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الثالث:

اللعبة الصامتة بين الاثنين

 

الجزء الثاني

تأمّل معي، يا صديقي، كيف تتحوّل العلاقات إلى ميدان صامتٍ للصراع دون أن تُقال كلمة واحدة.

الهارب لا يعلن انسحابه، لكنه يترك فجواتٍ صغيرة في حضوره،

يختفي حينًا، ويعود حين يطمئن أن الشوق ما زال موجودًا.

والمطارد لا يعترف بالمطاردة،

لكنه يتتبّع أثر الخطوات، ويتشبّث بفتات الإشارات،

وكأنّ قلبه صار جهاز إنذارٍ يعمل على تردد الحنين.

اللعبة لا تحتاج إلى صوت،

فالقلوب المرهقة تتكلم بلغة لا تُسمع.

الهارب يتنفس خوفًا، والمطارد يتنفس رجاءً.

أحدهما يهرب من الغرق، والآخر يسبح في التيار ذاته،

لكن كلٌّ منهما يظن أنه وحده من يُعاني.

تبدأ المعادلة بالاختلال، حين يشعر الهارب أن المطارد يقترب أكثر مما يجب،

وحين يشعر المطارد أن الهارب يبتعد أكثر مما يحتمل.

هنا يتحوّل الصمت إلى ميدانٍ من الظنون،

كلّ رسالةٍ غير مكتوبة تُفسَّر،

وكلّ غيابٍ يُحمَّل ما لا يحتمل من المعاني.

أتعلم يا صديقي؟

إن الهروب ليس دائمًا فعلاً من الخوف،

وأحيانًا يكون شكلاً من أشكال الاحترام للآخر.

فالهارب، في قرارة نفسه، يخشى أن يدمّر ما يحبه،

فيبتعد ليحميه، لا ليعاقبه.

لكن المطارد لا يرى إلا الفراغ،

ذلك الفراغ الذي يملؤه بكل الاحتمالات السيئة،

حتى يُنهك نفسه بحثًا عن سببٍ لم يُقَل.

هكذا تستمر اللعبة — لا رابح، ولا نهاية.

فكلما اقترب أحدهما، ابتعد الآخر.

وكلما سكت أحدهما، تكلمت المسافات.

إنها لعبة اللا وضوح،

حيث لا أحد يملك الشجاعة ليقترب تمامًا،

ولا أحد يملك القسوة ليختفي نهائيًّا.

وتبقى المشاعر معلّقةً في منتصف الطريق،

كعصفورٍ لا يعرف هل يطير نحو الضوء أم يعود إلى العش القديم.

يا صديقي،

في تلك اللحظة التي تظن فيها أنك تمسك بالخيط،

ستكتشف أنه ليس خيطًا بل دخانًا،

وأن كل ما بنيته من توقعاتٍ كان قصرًا على الهواء.

لكن رغم الألم، تظل اللعبة مغرية.

ففي كل اقترابٍ جديد، هناك أملٌ بأن يفهم أحدهما الآخر أخيرًا،

وفي كل انسحابٍ، هناك وعدٌ كاذب بأن المسافة ستحمي القلوب من الانكسار.

 

#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب

#هانى_الميهى