مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب أصعب ما كُلّفنابقلم الكاتب هاني الميهي

أصعب ما كُلّفنا

هاني الميهى

الفصل الخامس: الطرق التي لا نهاية لها

الجزء الثاني: حين تُخفينا الطرق ولا تُرشدنا

 

كانت الطرق تمتد أمامه كأنها أسئلة مفتوحة بلا إجابات،

تمتدّ في الصمت، وتنقطع في الصمت،

ثم تعود لتتشعّب مرة أخرى،

كأن القدر يريد أن يضع روحه على المحك،

ويختبر ما إذا كان الصبر في داخله يقف على قدميه

أم يتهاوى تحت ثقل الأيام.

كان يشعر أن الطريق لا يمتحن الخطى فحسب،

بل يمتحن قلب الإنسان،

ذلك القلب الذي يبحث عن اليقين ولو في حافةٍ ضيقة،

ويخشى أن يمشي عميانًا نحو مستقبل لا يراه،

فيتمسّك بما اعتاد عليه،

حتى لو كان مثقّلًا بالوجع،

لأن الوجع المألوف أهون عند الكثيرين

من الخوف المجهول الذي ينتظرهم على مفترق جديد.

ولم يكن الرجل مختلفًا عنهم،

فقد كان يحمل في داخله خواءً لا يشبه شيئًا،

كأن الطرق كلّها ازدحمت عليه مرة واحدة،

وتسابق كل اتجاهٍ ليأخذ جزءًا من طاقته،

حتى لم يعد يعرف:

هل هو تائه حقًا؟

أم أن التوهان مجرد مرحلة،

خطوة لا بد منها ليصنع الإنسان بصيرته؟

توقّف عند منعطفٍ بدا عاديًا،

لكن قلبه ارتجف كأنه يسمع شيئًا خفيًا،

بصيغة لا يفهمها تمامًا.

أحيانًا…

الصوت الذي نسمعه في داخلنا

لا يكون أمرًا إلهيًّا ولا وحيًا مُلهِمًا،

بل يكون بقايا حكمةٍ صنعها الألم،

ونضجًا تشكّل ببطءٍ بين الجروح.

جلس على صخرةٍ صغيرة،

وترك الطرق تمرّ من حوله دون أن يلمسها،

كأنها أرواح عابرة،

خلقت فقط لتُعلّم الإنسان أن الحياة ليست طريقًا واحدًا،

ولا مخرجًا واحدًا،

بل شبكة متداخلة تدفعه دائمًا نحو نفسه،

قبل أن تدفعه نحو مصيره.

كان يدرك في كل دقيقةٍ يجلس فيها

أن الصبر ليس في أن يختار الطريق الصحيح،

بل في أن يملك الهدوء الكافي

ليرى ما وراء الغبار.

فالأبواب التي تُفتح سريعًا

لا تُعلّم شيئًا،

والطرق التي تُعبّد بلا مشقّة

لا تُنبت إنسانًا قادرًا على المواجهة.

والطرق التي لا نهاية لها،

هي في الحقيقة

امتحانٌ دقيق للثقة:

هل تثق أن الله يمسك بيدك

حتى لو لم تكن ترى الطريق بوضوح؟

أم أنك تبحث عن أضواءٍ تُشعرك بالأمان اللحظي

ثم تكتشف أنها أضواءٌ تخدع العين

وتترك القلب أكثر ظلمة مما كان؟

عاد ينهض،

وأحسّ بثقل لم يفهمه،

ثقل لا يأتي من الحيرة،

بل من حقيقةٍ بدأ يقتنع بها:

ليس كل طريق يُضيء… يُرشد،

ولا كل طريقٍ مظلم… يُضلّ.

فأحيانًا

الضوء يمتحن صدقك،

والظلام يحميك من التسرّع.

ولأول مرة منذ زمن،

لم يشعر بالخوف من تعدّد الطرق،

بل شعر بأن التنوّع رحمة،

وأن الله لا يترك روحًا تبحث عنه

إلا ويجعل لها في النهاية

طريقًا واحدًا…

تُدرك أنّه كان طريقها منذ البداية،

لكنها لم تكن جاهزة لرؤيته.

أصعب ما كُلّفنا

 

هاني الميهى

#أصعبماكلفنا