اسم الكتاب: أصعب ما كُلّفنا
اسم الكاتب: هاني الميهى
الفصل الخامس: الطرق التي لا نهاية لها
الجزء الأول: عندما تتشعّب الخطى بلا دليل
كانت الطرق أمامه تتفرّع كما لو أنها خارطةٌ وُضعت لتزيده حيرةً لا فهمًا،
وكلّ طريق منها يَعِده بشيءٍ لا يظهر تمامًا،
ولا ينكشف إلا لمن يملك صبرًا يلامس حدود الاحتمال.
فالقلب كان يميل إلى جهة،
والعقل يشير إلى جهة أخرى،
أمّا الروح فكانت واقفةً في منتصف المسافة،
تراقب ما لا يراه الجسد،
وتلمح في التشعّب معنى لا يدركه إلّا من اختبر طول الانتظار.
لم يكن الرجل يبحث عن وجهة بعينها،
بل كان يبحث عن الطمأنينة التي تُشعره بأن خطاه تسير في الطريق الذي وُلد لأجله،
ذلك الطريق الذي لا ينادي بصوتٍ مسموع،
ولا يفتح ذراعيه لمن يقترب،
لكنه يترك أثرًا خفيًا في القلب؛
أثرًا يشبه اللمسة التي تعرف صاحبها،
ولا تخطئ ملامحه.
كانت الطرق كثيرة،
والاختيارات أكثر،
لكن الإرهاق الذي حمله على كتفيه كان أكبر من كل شيء.
فقد تعلّم — بعد محاولات لا تُحصَى —
أن الطريق ليس دائمًا ما يُقال عنه،
ولا كما يبدو في بدايته،
بل كما يُظهره آخر الأمر:
هل يبني إنسانك؟
أم يستنزف ما في داخلك بصمت؟
خطا خطوة نحو أحدها،
ثم توقّف فجأة،
وكأن قوة غير مرئية حدّثته بأن الطريق الذي يُفتح بسهولة
ربما يكون الأكثر ضياعًا،
وأن الطرق الشاقة ليست دائمًا عقابًا،
بل قد تكون دعوةً خفيّة لتكوين روحٍ أكثر وعيًا مما كانت عليه.
وقف طويلًا…
وأطال النظر في مفترقٍ لا يقدّم شيئًا واضحًا،
لكنه يشعر في عمقه بأن الاختبار الحقيقي ليس في الطريق ذاته،
بل في قدرته على الوقوف،
والتأمّل،
وجمع شتات نفسه قبل أن يقرر الخطوة التالية.
ذلك التوقّف،
الذي يظنه كثيرون تردّدًا،
هو في الحقيقة لحظة صافية يستعيد فيها الإنسان صوته الداخلي،
ذلك الصوت الذي يُغَطّيه ضجيج العالم،
ويُضعفه ثقل الأيام،
لكنه لا يموت؛
بل ينتظر زمنه ليقول:
“سرْ، وإن تعبت، فأنا معك.”
وفي ذلك المكان،
عند أول الطريق،
شعر بأنّ الطرق التي لا نهاية لها
ليست لعنةً كما تخيّل،
بل مساحة رحبة تمنح الروح فرصة لاختبار نفسها،
وتعليم الجسد كيف يمشي بخطًى ثابتة
حتى وإن لم يكن المستقبل مرئيًّا بعد.
#أصعبماكُلّفنا
#هاني_الميهى






المزيد
النشر ما بين التحديات والتطوير بقلم سها مراد
حتى الموت لم يستطع أن ينتزعك من قلبي بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى