مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كان ذلك صعبًا بقلم الكاتب هانى الميهى

كان ذلك صعبًا
الكاتب هانى الميهى
من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق

الفصل الرابع عشر
فى النهاية، لا يبحث الإنسان عن الكلمات الكبيرة. بعد سنوات من المقاومة، ومن محاولة تفسير ما عاشه، ومن الركض خلف أسباب كل جرح، يكتشف أن الحقيقة أبسط من كل الشروحات. لم يكن يحتاج إلى أن يقنع أحدًا بحجم ما مر به، ولا إلى أن يثبت أنه كان يستحق كل هذا التعب. كان يحتاج فقط إلى أن يعترف بالحقيقة التى ظل يؤجلها طويلًا… كان ذلك صعبًا.

لطالما اعتقد أن الاعتراف بالتعب نوع من الاستسلام، وأن الأقوياء لا يقولون إن الطريق أثقل مما توقعوا. لذلك ظل يحمل أيامه بصمت، ويبتسم كلما سأله أحد عن حاله، وكأن الكلمات تستطيع أن تغير ما يحدث فى الداخل. لكنه مع الوقت أدرك أن الإنكار لا يخفف الألم، بل يضاعفه، لأن الجرح الذى لا نعترف به، لا يجد فرصة ليلتئم.

هناك لحظة يصل إليها الإنسان، لا يعود فيها مهتمًا بأن يبدو شجاعًا أمام العالم. يصبح أكثر اهتمامًا بأن يكون صادقًا مع نفسه. يعترف بأنه خاف، وبأنه تعب، وبأنه انكسر فى أماكن لم يرها أحد. ولا ينتقص هذا الاعتراف من كرامته، بل يعيد إليه شيئًا فقده وهو يحاول أن يكون أقوى مما يحتمل.

كان ينظر إلى السنوات الماضية، فلا يرى الهزائم وحدها، ولا النجاحات وحدها، بل يرى نفسه وهو يحاول فى كل مرة أن ينهض بما تبقى منه. لم يكن ينجح دائمًا، ولم يكن يسقط دائمًا، لكنه لم يتوقف عن المحاولة. وربما كانت هذه هى الحقيقة الوحيدة التى تستحق أن تُروى.

أدرك أيضًا أن الحياة لا تطلب من الإنسان أن يخرج منها دون ندوب. كل ما تطلبه أن يبقى قلبه قادرًا على الإحساس، وأن تظل روحه قادرة على البدء من جديد، مهما أثقلتها الخسارات. فالندوب لا تعنى أن المعركة هُزمت، بل تعنى أنها كانت حقيقية.

وعندما قال أخيرًا: “كان ذلك صعبًا.” لم يكن يطلب شفقة أحد، ولم يكن يكتب خاتمة لحزنه. كان يمنح نفسه حقًا تأخر كثيرًا فى منحه. حق أن يعترف بأن ما عاشه لم يكن سهلًا، وأنه، رغم كل ما بدا عليه من صلابة، كان إنسانًا يحاول أن ينجو بالطريقة الوحيدة التى عرفها.

وهنا شعر أن الحمل أصبح أخف قليلًا. ليس لأن الماضى تغيّر، بل لأن الحقيقة خرجت من صمتها. فالاعتراف لا يمحو الألم، لكنه يحرره من أن يبقى سجينًا داخل القلب.

ربما لن تعود الأشياء كما كانت، وربما لن يستعيد الإنسان كل ما فقده، لكن هناك سلامًا صغيرًا يولد حين يتوقف عن محاكمة نفسه، ويكف عن مطالبتها بأن تكون أقوى من طبيعتها. فمن حق القلب أن يتعب، ومن حق الروح أن تعترف، ومن حق الإنسان، بعد رحلة طويلة من الصمت، أن يقول بهدوء:

لقد كان ذلك صعبًا.


رسالة الفصل

الاعتراف بأن الطريق كان صعبًا ليس هزيمة، بل آخر درجات الصدق مع النفس.

تمهيد الفصل الأخير

وبعد أن انتهت كل الاعترافات، عاد إلى الجملة التى بدأت منها الحكاية كلها…

كل هذه القوة تجعلنى أختنق.