مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كان الأمر أشبه باللعنة بقلم الكاتب هانى الميهى 

كان الأمر أشبه باللعنة

الكاتب هانى الميهى 

 

الفصل التاسع

من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق

هناك أشياء لا تبدأ فجأة، ولا تنتهى فجأة. تدخل حياة الإنسان كما يدخل الغبار من نافذة صغيرة؛ لا يراه أحد فى البداية، لكنه مع الأيام يغطى كل شىء. وحين يلتفت إليه، يكتشف أنه لم يعد يتذكر لون الأشياء قبل أن يغشاها.

 

كان يستيقظ بعض الأيام وهو يشعر أن العالم يتسع له. يفتح النافذة، فيرى الضوء مختلفًا، ويظن أن الحياة أخيرًا قررت أن تصالحه. يتحدث كثيرًا، يخطط كثيرًا، ويؤمن أن الغد يحمل له ما يستحق انتظاره. ولم يكن هذا التفاؤل مصطنعًا، بل كان حقيقيًا إلى الحد الذى يجعله يصدق أنه تجاوز كل ما مضى.

 

ثم، دون إنذار، يتغير كل شىء.

 

ليس لأن حدثًا وقع، ولا لأن خبرًا سيئًا وصل، بل لأن شيئًا خفيًا ينطفئ فى الداخل. يصبح الصباح أثقل، والكلمات أقل، والخطوات أبطأ، وكأن الروح فقدت قدرتها على حمل الجسد، رغم أن الجسد لم يتغير.

 

كان أكثر ما يرهقه أنه لم يكن يعرف السبب. لو كان يعرف عدوه، لاستطاع أن يواجهه. أما أن يشعر بكل هذا الثقل دون أن يرى له وجهًا، فذلك كان يتركه فى حيرة لا تقل قسوة عن الألم نفسه.

 

وكان الناس يسألونه أحيانًا: “ما الذى حدث؟” فيفتش فى ذاكرته فلا يجد جوابًا. لم يحدث شىء جديد، ومع ذلك كان كل شىء يبدو مختلفًا. كيف يشرح لهم أن بعض المعارك لا تبدأ من الخارج، بل من مكان لا تصل إليه العيون؟

 

كان يشعر كأن داخله أرضًا تتبدل فصولها بسرعة لا يحتملها قلب واحد. فما إن يطمئن إلى حالة، حتى يجد نفسه فى أخرى. وكلما حاول أن يبنى سلامًا، جاءت موجة جديدة تهدمه، فيبدأ من جديد، وكأنه يعيش العمر نفسه مرات متتالية.

 

ولأن الناس لا يرون إلا ما يظهر على الوجه، كانوا يظنون أن ما يمر به مجرد مزاج عابر. ولم يكونوا يعلمون أن بعض الأيام تحتاج من الإنسان شجاعة كاملة، لا ليفعل شيئًا عظيمًا، بل فقط ليقوم من فراشه ويواجه نهارًا آخر.

 

لم يكن يخاف من التعب وحده، بل كان يخاف أن يعتاده. أن يألف هذا الاضطراب حتى يظن أنه طبيعته، وأن ينسى أن داخله نسخة أخرى كانت تعرف الطمأنينة يومًا، ثم ضاعت فى الطريق.

 

وعندما وصف ما يعيشه بأنه لعنة، لم يكن يقصد أن الحياة تعاقبه. كان يقصد أنه كلما ظن أنه أمسك بيد النجاة، أفلتت منه قبل أن يطمئن إليها. وكأن قلبه كان يقف دائمًا على أرض لا تكف عن الاهتزاز.

 

ومع ذلك، ظل يقاوم.

 

ليس لأنه كان يملك يقينًا بأن الغد سيكون أفضل، بل لأنه لم يجد طريقًا آخر سوى أن يستمر. وفى أحيان كثيرة، تكون الشجاعة الحقيقية هى أن يكمل الإنسان يومه، بينما لا يراه أحد وهو يخوض معركته.

 

 


 

رسالة الفصل

 

ليست كل المعارك تُرى، وبعض أشدها قسوة هى تلك التى يخوضها الإنسان داخل نفسه، بينما يبدو للآخرين هادئًا كأن شيئًا لم يكن.

 

تمهيد الفصل القادم

 

ثم جاء اليوم الذى شعر فيه أن الحياة تستطيع أن ترفعه إلى السماء… وأن تلقى به فى الهاوية فى اللحظة نفسها.

 

الفصل العاشر: السماء السابعة.