مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فقط أردتُ أن أُنبت أبنائى نباتًا طيبًا بقلم الكاتب هانى الميهى

فقط أردتُ أن أُنبت أبنائى نباتًا طيبًا

الكاتب هانى الميهى

 

آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة

الفصل الحادى عشر

 

السر

 

أحيانًا لا يهرب الإنسان بحثًا عن حياة أفضل لنفسه، بل خوفًا من أن يرث أبناؤه ما رفض أن يرثه هو.

 

 

 

لم يكن قرار الرحيل بطولة، ولم يكن انتصارًا على أحد. كان خوفًا… خوف أم ترى المستقبل يمشى نحو أطفالها بخطوات لا يسمعها غيرها.

 

كل ما كنت أريده لم يكن كثيرًا.

 

لم أطلب ثراءً، ولا جاهًا، ولا حياةً يصفق لها الناس. كنت أحلم بشىء يبدو بسيطًا، لكنه فى الحقيقة من أصعب الأحلام؛ أن يكبر أبنائى وهم يعرفون أن الحلال ليس مجرد كلمة، وأن الله ليس اسمًا يُذكر فى المناسبات، بل طريق يُعاش كل يوم.

 

كنت أعرف أن الطفل لا يولد وهو يميز بين الحق والباطل.

 

إنه يتعلمهما من البيت.

 

من اللقمة التى يأكلها.

 

ومن الحديث الذى يسمعه.

 

ومن المواقف التى يراها تتكرر حتى تصبح جزءًا من تكوينه.

 

ولهذا كنت أخاف.

 

لم أكن أخاف أن يجوعوا، فالجوع يزول.

 

ولم أكن أخاف أن يعيشوا حياة بسيطة، فالبساطة لا تهزم أحدًا.

 

كنت أخاف أن يكبروا وهم لا يشعرون بثقل الحرام، وأن تصبح الأشياء التى كانت تؤلمنى عادية فى أعينهم، لأنهم رأوها كثيرًا.

 

كان هذا هو خوفى الحقيقى.

 

فالإنسان يستطيع أن يبدأ حياته من جديد إذا خسر ماله.

 

ويستطيع أن يقف مرة أخرى إذا خسر عمله.

 

لكن ماذا يفعل إذا خسر قلب ابنه؟

 

وكيف يعيد إليه براءة الضمير إذا تربى على أن الخطأ يمكن أن يصبح أسلوب حياة؟

 

لهذا لم يكن قرارى متعلقًا بى.

 

كنت قد اعتدت الألم.

 

واعتدت الخيبة.

 

واعتدت أن أواسى نفسى بالدعاء.

 

لكننى لم أستطع أن أعتاد فكرة أن يدفع أبنائى ثمن اختيارات لم يشاركوا فيها.

 

كنت أريد أن أمنحهم فرصة.

 

ليس أكثر.

 

فرصة أن يختاروا طريقهم وهم يعرفون الفرق بين النور والظلام.

 

بين البركة والكثرة.

 

بين الرزق الذى يرفع الرأس، والمال الذى يثقل القلب.

 

وربما لهذا لم يفهم كثيرون قرارى.

 

ظنوا أننى أقطع الأرحام.

 

أو أهرب من المسئولية.

 

أو أتعالى على من حولى.

 

ولم يعلموا أننى كنت أقطع جزءًا من قلبى كل يوم، وأنا أفكر فى هذا القرار.

 

فالابتعاد عن الأشخاص الذين عشت بينهم ليس أمرًا يسيرًا، حتى وإن كان بقاؤك بينهم يؤلمك.

 

لكن الأم لا تفكر بعينيها…

 

بل تفكر بعيون أطفالها.

 

تنظر إلى الغد أكثر مما تنظر إلى اليوم.

 

وتقبل أن تتحمل وحدها قسوة الطريق، إذا كان هذا سيجعل الطريق أقل قسوة على أبنائها.

 

ولذلك لم يكن حلمى أن أصنع لهم حياة كاملة.

 

فالحياة الكاملة لا توجد.

 

كنت أريد فقط أن أمنحهم تربة نظيفة.

 

لأن النبات الطيب لا يصنعه البستانى وحده.

 

بل تصنعه أيضًا الأرض التى يغرس فيها بذرته.

 

ولهذا كنت أقول لنفسى كل ليلة:

 

ربما أعجز عن أن أمنحهم كل ما يتمنونه…

 

لكننى لا أريد أن أعجز عن أن أمنحهم ما يجعلهم يقفون يومًا بين يدى الله بقلوب مطمئنة.

 

كان هذا هو حلمى كله.

 

حلم أم لم تكن تبحث عن مستقبل كبير…

 

بل عن ضمير كبير.

 

 

 

رسالة الفصل

 

أعظم ما يورثه الآباء لأبنائهم ليس المال، بل البيئة التى تحفظ قلوبهم قبل أن تحفظ حياتهم.

 

تمهيد الفصل الثانى عشر

 

لكن الحياة كانت تخبئ امتحانًا لم يخطر لها على بال…

 

فبينما كانت تظن أنها تنقذ أبناءها، وقفت أمام سؤال مزق روحها كلها:

 

“وكأننى أخذت أبنائى إلى قدرهم المحتوم بالمرض والموت القريب!”