مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قصص وحكايات “اللغة الرومانسية/ اللاتينية”

بقلم/ عبدالرحمن غريب

إنّ اللغة اللاتينية، منذ قديم العصور، وبالتحديد في الإمبراطورية الرومانية الشهيرة، تلك الإمبراطورية التي لم تكتفِ باحتلال أوروبا فقط، بل وصلت إلى أفريقيا والصين، كانت إمبراطورية كبيرة المساحة والأراضي، شبه احتلت العالم القديم بالكامل.

لكننا اليوم لن نتحدث عن الإمبراطورية الرومانية، بل عن لغةٍ عاشت مئات السنين، وعلى مر العصور، بل وكانت السبب الرئيسي في انتشار أكثر من ست لغات عالمية، يسعى الشاب في العشرين من عمره لتعلم واحدةٍ منها؛ للحصول على وظيفة جيدة.

هذه اللغة تُدعى: اللغة الرومانسية اللاتينية، وسأشرح الآن لماذا تُسمّى “الرومانسية”، وماذا تحتوي.

 

تُسمى اللغة اللاتينية باسم “اللغة الرومانسية” لأنها الأصل المشترك للغات التي تطورت في الإمبراطورية الرومانية مثل: [إيطاليا، رومانيا، إسبانيا، البرتغال، فرنسا]. وبمعنى آخر، هي “اللغة الأم”، وسُميت “الرومانسية” لارتباطها بروما القديمة، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية Romantic، إذن فاللغة اللاتينية هي الأساس، واللغات الرومانسية هي نسلٌ لها.

 

تُنسب هذه اللغة إلى اللاتينيين الأصليين الذين عاشوا في وسط إيطاليا وكانوا أقلية، ومع توسع الإمبراطورية الرومانية تم نشر اللغة باعتبارها لغة الشعب، كما أنها كانت اللغة الرسمية في الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان، وحتى بعد تفكك الإمبراطورية في القرن السادس عشر الميلادي، استمرت اللغة في التأثير على الدول التي تحررت منها، وعلى رأسها (فرنسا، البرتغال، إسبانيا، رومانيا) وبالطبع إيطاليا، الدولة المؤسسة للإمبراطورية.

 

بعد مرور الوقت وتحرير هذه الدول، ازدادت قوتها حتى وصلت إلى القرن التاسع عشر، وأصبح لها مستعمرات. أما الدول التي استعمرتها، فأصبحت تُعرف باسم “اللاتينية”، وبالأخص أمريكا الجنوبية، التي عُرفت لاحقًا بـ”أمريكا اللاتينية”، وهذا هو موضوع المقال.

 

ظهر مصطلح “أمريكا اللاتينية” لأول مرة عام 1856م، تحديدًا في فرنسا في عهد نابليون الثالث، وكان لهذا المصطلح عدة أسباب:

 

1. أُطلق المصطلح على الدول التي تتحدث لغات مشتقة من اللاتينية في أمريكا الجنوبية/الشمالية/الوسطى.

 

2. كان سببًا سياسيًا، إذ إن فرنسا وبريطانيا كانتا في صراع دائم، فأراد نابليون الثالث التأكيد على النفوذ الفرنسي في الدول المستعمَرة.

 

3. لأن معظم دول أمريكا الجنوبية لا تتحدث إلا لغتين فقط: الإسبانية أو البرتغالية. فمثلًا، كانت البرازيل تحت الاحتلال البرتغالي حتى تحررت في 7 سبتمبر 1822م، وقبل هذا التحرر بحوالي 30 عامًا، ظهر مصطلح أمريكا اللاتينية. أما الأرجنتين، كولومبيا، تشيلي، وغيرها، فكانت تحت الاحتلال الإسباني.

 

4. وهو الأهم: الثقافة، فقد تم محو الثقافة الأصلية لشعوب أمريكا الجنوبية، واستُبدلت بالثقافتين الإسبانية والبرتغالية، حتى نسيت تلك الشعوب لغاتها وهوياتها الأصلية، مما جعل الثقافة عنصرًا حاسمًا في إطلاق هذا المصطلح.

 

وفي النهاية، من يتخلى عن لغة دولته وثقافة بلده، يقع فريسةً للاحتلال الحقيقي. فـ”الاحتلال”، بالمفهوم التاريخي الصحيح، ليس فقط غزوًا عسكريًا، أو سرقة موارد، بل هو تغييب ثقافة، واستبدال هوية، وتعليم مغاير.

نجحت دول مثل البرتغال في تغيير ثقافة ولغة البرازيل حتى اليوم، صحيح أن البرازيل تحررت عسكريًا، لكنها ما زالت تتحدث البرتغالية، وتعيش وفق الثقافة البرتغالية لا ثقافتها الأصلية. وينطبق هذا أيضًا على الأرجنتين وكولومبيا، وغيرها من الدول التي ما زالت ثقافيًا تحت الاحتلال الإسباني.

إذن، الاحتلال الحقيقي هو: تغيير الثقافة واللغة والتعليم… وليس فقط السلاح أو الذهب.