مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قصص وحكايات “الطاغية بيزاستراتوس”

بقلم/ عبد الرحمن غريب

 

القصة التي أود أن أحكيها لكم اليوم مليئة بالإثارة، والمتعة، والانتقام. مزيج من الطيبة والشر اجتمعا في جسد وعقل واحد، وتلك هي شخصية بيزاستراتوس.

 

في أثينا، كانت هناك ثلاثة أحزاب: حزب السهل، وحزب الساحل، وحزب الجبل، وكان بطل قصتنا زعيم حزب الجبل. في عام 570 ق.م، دخلت أثينا في حرب مع مدينة ميجارا، وتولى بيزاستراتوس منصب أحد قادة الجيش. لم يحقق فقط النصر لأثينا، بل استولى على جزيرة “سلاميس”، فعاد إلى أثينا بطلاً، واستطاع أن يكسب تأييد بعض الفقراء ويقودهم.

 

استولى على المدينة المرتفعة الأكروبول، لكن كيف فعل ذلك؟

ذهب إلى السوق وجرح نفسه عمدًا، ثم ادّعى أن الأشراف اعتدوا عليه. تعاطفت الجماعات التي يقودها معه، وقررت تعيين حراس لحمايته. ولم يكتفوا بذلك، بل قرروا، تحت قيادته، السيطرة على الأكروبول، وطرد الحكومة القديمة، وإبعاد الأشراف، وجمع بيزاستراتوس كل السلطة في يده.

 

لم يستطع سولون السكوت عن هذا الوضع، وبرغم كونه رجلًا ديمقراطيًا، إلا أنه واجه بيزاستراتوس. حرض الشعب وجميع الأحزاب ضده، وتمكنوا من مواجهته، ونُفي بيزاستراتوس خارج أثينا في عام 555 ق.م لمدة خمس سنوات.

 

لكنه عاد في عام 550 ق.م، ثم نُفي مرة أخرى. وخلال نفيه، أصبح أكثر قوة، وعاد في عام 540 ق.م، لكن هذه المرة لم يكن وحده، بل جمع عددًا كبيرًا من المرتزقة، وسيطر على بعض شعوب المدن المجاورة، ثم غزا أثينا عسكريًا. فرض سيطرته، وجرد المواطنين من السلاح، ونصّب نفسه حاكمًا عليها. وهكذا، أصبح ملك أثينا عن طريق السيف والدم.

 

والأغرب من ذلك، أن أرسطو لم يصفه بالطاغية، بل قال عنه إنه: مواطن عادي، محب للحياة والسلام، عطوف، كريم، ذو أخلاق عالية، ويحترم القانون.

ولكي يرضي الشعب بجميع طبقاته، أعاد العمل بقوانين سولون الديمقراطية، وأصبح من حق المواطنين دخول المجالس السياسية. كما أصدر قوانين تقضي بأخذ أراضٍ من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء وصغار المزارعين والعاطلين عن العمل، فكسب بذلك رضا الطبقات الشعبية. لكنه، في المقابل، احتفظ لنفسه ولأسرته بالحكم والمناصب الكبرى في الدولة.

 

اشتهر عهده بازدهار الحياة الفنية والأدبية، فجمع الشعراء والفنانين من خارج أثينا، وجمع للمرة الأولى مؤلفات الإلياذة والأوديسة للشاعر هوميروس. وازدهر في عهده البناء، والفن، والشعر، وخاصة الشعائر الدينية. واستمر حكمه حتى وفاته في عام 527 ق.م.

 

تُعد شخصية بيزاستراتوس من أكثر الشخصيات المحيّرة في التاريخ اليوناني؛ فقد تعامل مع الشعب، وخاصة الفقراء، كأنه واحد منهم، وعبّر عن كراهيته للأثرياء والأشراف. وفي الوقت نفسه، استطاع أن يرضي الجميع عبر توزيع الأراضي وتفعيل المجالس السياسية. ومع ذلك، رفض أن يتقلد أحد غير أسرته المناصب الكبيرة في الدولة. أما الطريقة التي حصل بها على الحكم منذ البداية، فتُظهر لنا كم يمكن أن يكون الإنسان طاغية عندما يسعى للانتقام أو يطمع في المزيد من القوة.