مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قصص مأخوذة من الواقع، بلسان أصحابها

Img 20250403 Wa0053

 

 

بقلم سها طارق “استيرا” 

 

فقدت الثقة بسبب ولدي، وكنت أموت مئة مرة في اليوم بسبب إحساسي بالذنب نتيجة معاملته لوالدتي. كنت أجلس وحدي في الزاوية، الدموع تتساقط على خدي، وفي قلبي دعاء يتكرر: “يا رب، لا تأخذنا بذنبه”. كنت أعلم أن الحقوق تنتهي، وأن ما يزرعه اليوم سيعود له في يوم ما، كظل يتبعه في كل مكان، ولكن هل سأكون قادرة على تحمل ذلك؟

 

نحن أربع بنات، كنا عائلة تبدو طبيعية، لكن كل شيء انهار في ذلك اليوم المشؤوم الذي قرر فيه والدي الزواج على والدتي. كانت والدتي تعيش في عذاب لا يُحتمل، حيث تعرضت للضرب والإهانة من والدي، وكأنها ليست بشرًا. كانت تقول لنا دائمًا: “أكملوا تعليمكم، فالعلم سلاحكم”، ولكنني كنت أرى في عينيها الألم، وكأنها تقاتل معركة خاسرة بلا سلاح. كل ضربة كانت تشعرني وكأنني أتعرض لها، مع كل صرخة من والدتي، كان قلبي يتشقق أكثر.

 

أنا الكبرى بين أخواتي، وشهدت كل هذه القسوة منذ طفولتي. كنت أراقب من زاويتي، أشعر بالعجز وكأنني أختنق. جاء يوم، وبعد معاناة طويلة، انقلبت حياتي. ذهبت إلى المستشفى، واكتشف الأطباء أنني مريضة وأحتاج لعملية جراحية عاجلة. لكن ما زاد من وجعي هو سماعي لوالدي وهو يقول: “يا رب تموت، أنا لا أريد أولاد”. كان كالسهم الذي اخترق قلبي، شعرت أنني فقدت كل شيء، وكرهت كل الرجال، ولم أعد أستطيع النظر إليهم دون شعور بالخوف.

 

بعد 16 عامًا من زواجه الثاني، عاد والدي، وقد طلق زوجته بسبب خيانتها له. ظننا في البداية أنه قد يتغير، لكن الأمور تفاقمت. أصبحت الشكوك تتسلل إلى كل زاوية من حياتنا، وعادت الضربات والإهانات لتسيطر على أيامنا. في تلك اللحظات، كنت أقول لنفسي: “هل سأنجح في النجاة من كل ذلك؟”

 

كنت ملتزمة بديني، أبحث عن نور في ظلام حياتي، ولكن جاء يوم ضحك فيه عليّ شيطاني. تلقيت رسالة من شخص غريب. كان حديثه مثل نسمة هواء بارد في صيف حار، أخذني إلى عالم من الحنان الذي كنت أفتقده. كان أول شخص يعطيني شعورًا بالأمان. قلت له ذات مرة: “لقد عانيت كثيرًا، كيف يمكنك أن تكون هنا من أجلي؟”

 

أجابني برفق: “لأنني أرى فيك قوة لم تكتشفيها بعد. دعيني أكون عونًا لك.” ولكن عندما جاءني بخطبة غير متوقعة، شعرت وكأنني محظورة، وكأنني سقطت في فخ لم أكن أريد أن أكون فيه.

 

تدريجيًا، أصبحت الدنيا من حولي عبارة عن ظلام حالك. كرهت كل شيء، خاصة الرجال. فقدت الثقة في الجميع، وشعرت أنني فرد مرفوض من هذا العالم القاسي. في لحظة يأس، حاولت الانتحار، ولكن فجأة، ظهرت فتاة أمامي، تشدني بعيدًا عن الهاوية. جلست أبكي كالأطفال، وقلت لها: “لا أستطيع الاستمرار، لقد سئمت من كل شيء، أشعر أنني عالقة في دوامة لا نهاية لها.”

 

قالت لي جملة لن أنساها: “لا تهربي من حياتك إلى الحرام، فما بُني على حرام لن يدوم. اتشجعي، أنتِ لا تزالين في التاسعة عشرة من عمرك، والحياة لديها دروس لتعلمك. ربما ينتظر الله لك الأفضل، فقط اصبري.” كانت كلماتها كفجر ينفجر في ظلام الليل، أعادت لي الأمل.

 

عدت إلى المنزل، وبدأت أحقق النجاح في مجالي. كنت أعمل بجد، وكأن كل نجاح أحققه هو انتقام من الألم الذي عانيته. وبعد عام، جاء نفس الشخص يطلب السماح لأنه تركني دون أسباب. نظرت إليه، وبدون تردد، قلت له: “الذنب ليس عليك، بل هو نصيبي الذي عانيت منه. الحياة تدور، وقد حان وقت إنهاء هذا الفصل. أريدك أن تعرف أنني ضحية لنصيبي، لكنني عاهدت الله أن تكون بدايتي صحيحة. لن أسمح بدخول الرجال إلى حياتي بعد الآن. اكتفيت بنفسي، وهذا يكفي.”

 

في تلك اللحظة، شعرت بقوة جديدة تتولد في داخلي. كنت عازمة على مواجهة كل تحدٍ قادم، وكنت أعلم أنني لن أكون وحدي بعد الآن.