مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

  في داخلي كون

Img 20241110 Wa0066

 

كتبت ملاك عاطف

“في تلك اللحظة فقط؛ عند نهاية الطّريق حاولت جاهدة أسّر المئات من الكلمات الّتي لا أستطيع البوح بها، وأمطارًا من الدموع الحارقة أنذرتني بالسقوط، حينها كنت بحاجة ملّحة لأن أتوسّد قلبًا أبكي عليه، وروحًا آنس بها، ولكنّي لم أجّد. ابتسمتُ خافيةً جزعي عن الجميع بفقدان قلبي، ونجحت بذلك، والظلام الذي حلَّ في داخلي استطاع أن يكتم توهجّ وجهي فصار شاحبًا لا روح فيه.’

لم أصدّق يومًا أنَّ أشياءَ كهذه قد تحدثُ حقًّا للمرءِ إلّا بعد أن عشتُها بحذافيرِ ضنكِها، ولم أقتَنع بقدرةِ الواحدِ منّا على تقمّصِ الرّاحةِ، أو التّقنّعِ بالفرح، أو تمثيلِ التّصالحِ مع الحياةِ ببراعةٍ إلّا حينَ استجمعتُ كلَّ طاقَتي وقُوايَ المتناثرةِ في شتاتِ قلّةِ الحيلةِ وفعلتُها!

أجل، فعلتُها، الأمرُ أشبهَ بتمرينِ عضلاتِ الرّوحِ على احتمالِ طعناتِ الكتمانِ دونَ أن يصدرَ تأوُّهها صوتًا، بل إنّهُ يشبهُ أن تخيطَ قلبكَ ملايينَ المرّات، ثمَّ تخفي رقعهُ الكثيرةَ تلكَ تحتَ منديلِ ضحكةٍ طويلةٍ تصبّرُ بها نبضهُ المتعب، أو تخدعه، لا فرقَ بينَ الفعلين.

لقد أصبحتُ ماهرةً في التّشافي، والتّخطّي، والمُكابرة، وصرتُ مثلًا عظيمًا شهيرًا يضربُهُ النّاسُ في الصّمود، لكنّ الحقيقةَ أنّي قطعةُ قطنٍ مغروزٌ فيها كثيرٌ مِن إبرِ العناءِ المدبّبةِ، والرّفيعة، والطّويلة، والحادّة، أتمزّقُ بها على مهلٍ دونَ أن يُسمعَ صوتٌ لتفتُّقي.

لا تستغرب، هكذا أنا، أفّضلُ الصّمتَ دائمًا، وأميلُ إلى الهدوءِ في كلِّ شيء، في حزني وفرحي، في ضعفي وقوّتي، في انهزامي وانتصاري، أميلُ إليهِ في كلِّ حالاتي.

حينَ بدأتُ أدفعُ أحاسيسي ثمنًا لأشياءَ أجهلها دونَ أن يلحظْ ذلك أحد، حينَ ذابت نواةُ قابلّيتي للحياةِ في خطوطِ ظلالِ أشباحِ الموت، حينَ تنفّست الوحدةُ أكسجينَها من شعوري، ونمت مُتسلّقةً على عرقِ اختلافي، ومصّت دماءَ صبايَ كالعلقة، انشطرتُ إلى فتاتين، واحدةٍ تشبهُ الغزالة، والحمامة، والجوريّةَ أو تجمعهُنَّ في خصالها، وأُخرى منطويةٌ على خوفها، وحزنها، سامحة للسوداويّة أن تكضمها، وتلكمها، وتجرّدها من حلاوةِ ذاتِها متى تشاء.

أنا موطِنٌ لكلِّ أضّادٍ، أنا وطنٌ لكلِّ الأحلامِ والأماني، أنا مقبرةٌ لكلِّ الأهدافِ الّتي لم تعش على أرضِ التّحقيق، أنا خزّانُ عطاءٍ، أنا نبعُ مزاجيّة، أنا مهدُ طفولة، أنا لحدُ يائسٍ، أنا كلُّ شيء.

وأنا الفرادةُ، والطّفرةُ، والبصمةُ، والإضافةُ الحلوة، والّلمسةُ الأخيرة على كل جميل؛ فأنا أحملُ في داخلي كونًا بأكمله.