كتبت ملاك عاطف
في حضرةِ المَوتِ تصحو الذّكريات، وتتّخذُ لها مجلسًا في مقعدِ الوَداعِ الأخيرِ المُدّججِ بكلِّ أشكال الفقد.
في حضرةِ الموتِ يلتوي عرقُ الفؤادِ على تَنهيدةِ الحزنِ، فيعصرُها دمعًا أجاجًا أجاجًا، ويحبسها فيهِ غصّةً إلى أجلٍ غير معلوم.
في حضرةِ الموتِ يُعرَضُ شريطُ حياتنا معَ المرحومِ بكلِّ تفاصيله، نشاهدهُ على شاشةِ أعينِنا بلا غباشٍ، ولا غموضٍ، ولا نقصان.
في حضرةِ الموتِ تَبينُ المشاعرُ الّتي أخفيناها؛ خجلًا، أو ظنًّا منّا أنّها عابرة، تبينُ وتُترجمُ إلى عباراتٍ تحفرُ على صخورِ الأسى.
في حضرةِ الموتِ ينهارُ تماسكنا دونَ قصدٍ، وتخرُّ بعدهُ صلابتُنا جاثِيةً على رُكبِها المرتجِفة.
في حضرةِ المَوْتِ تطغى المحاسِنُ، وتُزْهِرُ الطّبائِعُ، وتنعقدُ براعِمُ الخيراتِ في ثمارِ دعواتٍ وصلواتٍ غيرِ منقطعة.
في حضرةِ الموتِ نتذكّرُ كلَّ سلامٍ، وكلَّ قبلةٍ، وكلَّ جملةٍ سقتنا حنانًا مورَّدًا ببركةِ الكِبَر.
في حضرةِ المَوْتِ يرتفعُ صوتُ هذه، ويولَدُ لها مليارُ صدى، تتردّدُ كلُّها في آذانِنا؛ لِتَسْري في أوصالِنا قشعريرةُ تعلُّقِنا بصاحِبِها وحُبِّنا الجمِّ لهُ ولِطيبِ أفعاله. “الله يرضى عليكي يا خالي، عارفتيني؟”
كُنتَ تقولُها لي كثيرًا وأنا طفلة، وكُنتُ أحّبُ سعادتكَ بي وأنا أُجيبُكَ على استِحياء: خالو أبو عودة.
لماذا كُنتَ شغوفًا بهذا السُّؤالِ إلى ذاكَ الحدّ؟!
لن يظلَّ سؤالي معلّقًا في صقيعِ رحيلك، بل سأخبِّئُهُ في جيبِ معطفِ قرآني، وسأُلْبِسُهُ طاقيّةَ بحّةِ صوتكَ؛ لتبقى عصيّةً على النّسيان.
عظّمَ اللهُ أجرَنا فيك، وأكرمَكَ الفردَوْسَ الأعلى.






المزيد
التعجرف وكتابة كتاب
دوائر القدر : للكاتبة:سعاد الصادق
حب يملأ الدنيا