بقلم/ يحيى القطب
يبدو أن الدراما المصرية مدينة لنا بعمل جديد. بعد فيلم أبو العروسة بنسخته القديمة، ثم مسلسل أبو العروسة بنسخته المعاصرة، صار من العدل – بل من الضرورة – أن نشاهد عملًا بعنوان أبو العريس، أو ربما نختصر الطريق ونصنع عملًا عن “العريس نفسه”.
ذلك الكائن الغامض الذي يظهر فجأة في ليلة الزفاف، بعد أن يكون قد أمضى سنوات من عمره في العَدد والطرح والقسمة، لا في الأحلام والرومانسية.
الشاب اليوم، حين يفكر في الزواج، لا يبدأ بالسؤال عمّن سيشاركه الحياة، بل عمّا يلزمه ليدخلها أصلًا. يجلس مع نفسه، يفتح ورقة أو تطبيقًا على الهاتف، ويبدأ الحساب: مهر، ذهب، شقة، أثاث، أجهزة، فرح، شبكات، التزامات لا تنتهي.
ثم يرفع رأسه من الأرقام ليجد أمامه رقمًا يشبه الجبل، لا يُرى له قمة. في تلك اللحظة، لا يشعر بالإحباط فقط، بل يشعر بأن الزواج نفسه فكرة غير واقعية، كأنها مشروع لا يخصه، أو حلمًا لم يُكتب له أن يُجرَّب.
هذا الثقل المادي لم يلغِ الرغبة في الزواج، لكنه شوَّه الطريق إليه… ومع الوقت، بدأ تسابق محموم على الزواج بأي وسيلة. لم يعد السؤال: هل نحن مستعدون؟ بل: كيف نصل؟ ومع هذا التسابق، بدأ التنازل، لا عن الكماليات فقط، بل عن العفة والوقار. صار بعض الشباب والفتيات يبررون تجاوز الخطوط بدعوى “تيسير الأمور” أو “تفادي العنوسة”، وكأن القيم عبء يمكن إسقاطه مؤقتًا للوصول إلى الهدف.
لم يكن هذا انحلالًا فجائيًا، بل نتيجة ضغط طويل جعل التنازل يبدو حلًا، لا سقوطًا.
وبعضهم لجأ إلى حلول مؤقتة، يعلم في قرارة نفسه أنها خاطئة، لكنها “مناسبة للمحفظة الحالية”. تمامًا كما يفعل من يعجز عن التمليك فيلجأ إلى الإيجار، لا لأنه الأفضل، بل لأنه المتاح.
ومع هذه الحلول المؤقتة، انتشرت الفواحش والرذائل، لا بوصفها اختيارًا أخلاقيًا، بل كبديل عملي أقل كلفة لحظية. الجميع يعلم أنها أغلى على المدى الطويل، نفسيًا واجتماعيًا، لكن من يفكر في الغد حين يكون اليوم خانقًا إلى هذا الحد؟
أما الذين تزوجوا بالفعل، فالمشهد لا يقل تعقيدًا. المفارقة أن زيجات كثيرة بدأت ببساطة شديدة، دون بهرجة ولا اكتمال مادي، نجحت واستمرت. لأنها قامت منذ البداية على التفاهم، وعلى فكرة أن النقص يُستكمَل بعد الزواج، لا قبله.
تراحم، مشاركة، ووئام، ومحاولة صادقة لتسيير المركبة معًا مهما كانت الطريق وعرة.
وفي المقابل، رأينا زيجات بدأت مكتملة، كل شيء فيها “تمام”، لكنها ما إن واجهت أول ريح عاصف حتى انكسر شراعها. لم يكن الخلل في الإمكانات، بل في الأساس النفسي.
زواج قام على الشعور بالاستحقاق لا على الشراكة، وعلى الحساب لا على المودة.
النبي ﷺ نبّه مبكرًا إلى هذا الطريق المسدود، حين حذّر من المغالاة في المهور، لا لأنها تثقل الشباب فقط، بل لأنها تُفسد مقصد الزواج نفسه.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الذي عُرف بحكمته ونفاذ بصيرته، كاد أن يحدد قيمة المهور حين رأى الناس يتباهون بها ويتنافسون فيها، مدركًا أن ما يبدو فخرًا اليوم، سيكون خرابًا غدًا.
لكن الأزمة لا تقف عند هذا الحد. الأخطر أن أبناء هذا الواقع نشأوا غير مؤهلين نفسيًا للزواج أصلًا. لم يتعلموا معنى المسؤولية، ولا معنى بناء أسرة، فدخل بعضهم الزواج بعقلية الصفقة. مهر يُدفع، ذهب يُشترى، ثم يبدأ التفكير في “العائد”.
ومن هنا ظهرت نماذج مشوهة: من يتزوج ليستولي، ومن تقبل الزواج لتخلع… لا حب، لا ميثاق، فقط معاملة مغلفة بعقد.
ومع ذلك، لا يزال في الأفق ما يستحق الأمل. الحل ليس اقتصاديًا فقط، لكنه يبدأ من هناك. تخفيف الأعباء، كسر المبالغات، إعادة تعريف الزواج بوصفه ميثاقًا لا مشروعًا استثماريًا.
ثم يأتي الدور التربوي والديني، لا كخطب عابرة، بل كثقافة حية تُعلِّم الشباب أن الزواج مشاركة لا مغالبة، وسكن لا صفقة.
ربما لن يُنتج قريبًا فيلم أبو العريس، لكن إلى أن يحدث ذلك، يبقى لزامًا علينا أن نرى العريس، لا بوصفه رقمًا في معادلة، بل إنسانًا يحاول أن يبدأ حياة… لا أن يسدد فاتورة.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب