مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

غزة درس للأجيال

Img 20250320 Wa0024

 

كتبت سارة أسامة النجار

 

تلاشى قلقي عندما أعرب أصحاب البدل عن قلقهم، فلا داعي للخوف، لأن العالم ندد واستنكر رجمات الجحيم التي عادت لغزة. والواقع أنه لا محل لنا من الإعراب في أبجديات الإنسانية، كأننا لوحة لا مرئية، عديمة اللون.  

 

نسافر بالجُملة، ذهابًا بلا إياب إلى الممات. البعض يغادر جسدًا واحدًا، والبعض أشلاءً مقطعة ومشوهة، كأننا بلا قيمة، كما لو كنا ذلك الصفر على يسار العدد، لا يلتفت إليه أحد. لذا، لن ألتفت إلى مسائل الرياضيات التي تضاعف علينا الضربات، وتطرح منا الأمن، ثم تقسم علينا الآلام دون باقٍ.  

 

وسأتوجه إلى الفيزياء، حيث قانون الضغط = القوة / المساحة، بمعنى أن قوة الإبادة والتجويع والقصف والحصار الممارسة على مساحة غزة الضيقة تولد أطنانًا من الضغط، الذي يظهر كتحديات تملأ كل لحظة من أيامنا. وهذا ما يحاول العدو فعله لتهجير الغزيين من أرضهم، متناسيًا قانون نيوتن الثالث: “لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في الاتجاه”. وهذا يعبر عن أن أفعال الاحتلال ستعطي ردة فعل جبارة من الثبات والصمود والتمسك بتراب الوطن.  

 

والتاريخ يحكي تجذر الناس في أرضهم، رغم تتابع النكبات والحروب، في جغرافيا تثير أطماع الغزاة الذين يقلصون مساحتها تدريجيًا، بسرقة أميال من البر والبحر وحتى الجو.  

 

وهكذا، تظل غزة الصفحة التي لا تُطوى من كتاب الكرامة. هي الصوت الذي ينادي في صخب الصمت، هي الجرح الذي ينزف ولا يضعف، هي الحكاية التي تتجدد مع كل محاولة لطمسها. ورغم قوانين الفيزياء التي تضغط عليها، والتاريخ الذي يعيد أوجاعها، فإنها تعرف كيف ترفع رأسها فوق الركام، وكيف تُضيء بدماء أبنائها دروب الأمل والصمود.  

 

في غزة، لا تُمحى الألوان رغم أنف الغزاة، ولا يُمحى الإصرار مهما اشتدت الظلمات. هي درسٌ للأجيال بأن الصفر على اليسار قد يقلب المعادلة، وبأن الأرض المجبولة بدماء الشهداء لا تسقط عن خارطة القلوب مهما حاولوا اقتلاعها.  

 

غزة ليست مساحة ضيقة على الخريطة؛ إنها فضاء شاسع من العزيمة، ونبضٌ أبدي للحياة التي ترفض الاستسلام.