مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

غزة؛ وإخوة يوسف

Img 20250514 Wa0007

 

كتبت: هاجر حسن 

 

يتجدّد الظلم، لا يندثر، يتلوّن كالحية، يتخفى ويتربص، له وجوهٌ وحكاياتٌ لا تنتهي. لا يتَّعظ، ولا يعتبر بمن سبقوه. 

 

وحيدةٌ هي في غياهب بئرٍ مظلم، ألقاها إخوتها بلا شفقة، تُصارع الظلام والموت. طاهرةٌ، نقيةٌ، لا ذنب لها سوى أنها وُلدت لتكون رمزًا للكرامة، وعاشت للمقاومة.

 

على ضفاف بحرها، وتحت ظلال أغصان أشجارها الزيتونية، وبين رفرفة حمام الأقصى في سمائها. عكر صفو سلامها، وافترستها الذئاب البشرية، وتناوبت على طعنها قلوبٌ سوداء، تتغذّى على ركام العدالة، وانتزاع الحقوق. 

 

انتُزع منها بحرها، وسُقيت أرضها بالدماء، ولُوث صفاء سمائها. جفّت أغصان الزيتون، وناحَ حمام الأقصى من حُرقةِ جراحها. 

 

صرخت مرارًا وتكرارًا في وجوه إخوتها من العروبة: 

لا تكونوا مثل إخوة يوسف!

مدت يدها إليهم، تستنجد بهم لينتشلوها من ظلمتها، ويغيثوها من ذئابٍ تنهش أرواح أبنائها. 

 

لكن إخوتها كالعُميان، أعمى الطمع قلوبهم، تاه الحق من دربهم، وغابت عنهم بوصلة الضمير . تركوها تئن بحرقة، ولم يرأفوا بحالها. 

 

رددت بثبات: 

سأكون كحال يوسف.

كانت قوية، تؤمن أنّ نور الحق لا يُطفأ، وأنّ الابتلاء حظّ للصادقين، وأنّ بعد العسر يُسرا. 

 

غزة.. وأيّ أرضٍ، وأيّ شعبٍ، قد يتساوى بها؟! 

 

“وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنينَ”

 

تعلم غزة أنّ الله سيمكّنها، وأنّ النصر آتٍ، وأنّ إخوتها سيركعون لها قريبًا، يطلبون عفوها. 

 

تلك القويّة، الشامخة كالسحاب، الأبية كالجبل، لا تلين أمام العواصف، ولا تنكسر تحت القيود.

 تعلم أن من كان مع الله، فهو في حصنه، لا يخاف، ولا يُخذل، ولا تُطفأ له نجوم في ليل مظلم.

 

من قصة يوسف وإخوته، أخذت غزة العبر؛ فلا تُطأطئ رأسها، ولا ترتجف كالجُبناء. من آيات ربّها التي حفِظتها في قلبها، تنتظر النصر بيقين وثبات. 

 

وإن شابت الرؤوس من هول الأحداث وبشاعتها، وإن جفّت الدموع، وارتوت الأرض بالدماء….

فإن الظلم يحترق بناره، ويختنق بالحبل الذي ألقاه على غيره، ويسجن في قاع الأرض، تحيطه النيران من كل جانب. 

 

وتبقى قصة غزة وإخوة يوسف.. مرآتان لوجعٍ واحد، حكايةٌ خالدة تنقشها الأجيال في ذاكرة الأحرار، تبعث الأمل في قلوب الصامدين، ويلمع بريقها في كتب التاريخ.

 (لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءَايَٰتٌ لِلسَّآئِلِينَ)