كتبت: هاجر حسن
أقسى أنواع الغربة هي أن يغترب الإنسان عن نفسه، فيصبح الحنين إليها أشد أنواع الاشتياق.
يتوه في غياهب الحياة، وكأنه معلق في فضاء قاحل، تائهًا بلا وجهة، فاقدًا شغفه وملامحه التي عرفها يومًا. كائنًا بين اللامكان واللازمان، وكأنه وعيه معلق بخيط رفيع.
محبوس في كرة بلورية تتأرجح بين السماء والأرض، يصرخ في صمت، يرى الناس صورته دون أن يسمعوا صرخاته. عيناه فقدتا البريق الذي كان يشع منهما، وروحه نائمة، مهاجرة إلى عوالم بعيدة. تمر الأيام كأنها غبار الزمن بلا إدراك أو معنى.
في لحظات وحدته، يستذكر مشاهد من حياته: ضحكاته، أصوات العصافير في الصباح الباكر، وإشراقة روحه. لكنه الآن يقف أمام المرآة، يتأمل وجهًا غريبًا، شاحبًا، فاقدًا لألق الأمل. يتساءل: “من هذا الذي أراه؟” يلامس انعكاسه، فيلامس ذاته الحقيقة، التي تبدو وكأنها هاربة منه.
يمارس طقوس الحياة دون نكهة أو إحساس: يستيقظ، ينام، يركض، يمشي، يأكل، يشرب، وكأنه فقد تذوق وجوده. غارقًا في أعماق محيط من أفكاره، وكلما حاول أن يطفو، أثقلته صخور الحياة لتعيده إلى الأعماق. الكلمات تسبح حوله بلا معنى، والأفكار تتوه في الظلام كوميض ضائع.
يصلي، يهمس، يتضرع إلى الله، بقلب غارق في الرجاء، متشبثًا بخيوط من نور الأمل. ينتظر بلهفة صفارة قطار، نداء يعلن موعد عودة روحه المهاجرة إليه.
في لحظات ضياعه بين الضياع واليقظة، يشعر بصوت داخلي يناديه، مبشرًا بأن دعاءه قد أجيب، وأن أذكاره الخافتة قد أضاءت لروحه الطريق. يتأمل أن يكون هذا الصوت حقيقيًا، تلاطفه نسائم الهواء لتخبره أن مهما طال عناء غربته عن ذاته، ستعود إليه مع دعائه الخافت، بإشراقتها من جديد.
يبتسم في قلبه، نطفة من الأمل تنبض في جوارحه، يعقد العزم ويناضل لعودة نفسه إليه من جديد، ليخبر العالم أجمع أن أشد أنواع الابتلاءات هو غربة الذات….






المزيد
فتاة في حضرة العصر الفيكتوري بقلم شــاهينــاز مــحمــد
على حافة الطمأنينة بقلم الكاتب هانى الميهى
في مثل هذه الايام بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر