مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عيد ميلاد بقلم بلال حسان الحمداني

عيد ميلاد
بلال حسان الحمداني
7/8/2000
7/8/2026
“تَعَبٌ كُلّها الحَياةُ فَما أَعجَبُ.. إِلّا مِن راغِبٍ في اِزدِيادِ”
أن أستهلَّ الكتابة عن يوم مولدي ببيت أبي العلاء المعري، فهذا الذي لم يسبق لي ربما في أحلك سنوات حياتي. وكنتُ فيما قبل أستشعر قول أبي الحسن التهامي:
“طُبِعَتْ عَلى كَدَرٍ وَأَنتَ تُريدُها.. صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ”
ورغم صدق قوله، إلا أنني كنتُ أحاول أن أنظر إلى نصف الكأس الملآن، وأن أخلق سعادةً لي ولمن حولي من رحم الألم. لكنها الآن -واللهِ- أيامٌ صعابٌ، أثقلُ من جبل أُحد.
اليوم أُتمُّ عامي السادس والعشرين؛ فليت شعري ماذا فعلتُ في عامي الماضي؟ وماذا أنا فاعلٌ في قابله؟ لم يسبق لي أن أعرتُ أهميةً لما يُسمى “عيد الميلاد” أو أن أحتفل به، لكن ما إن ولجتُ عالم الحب، وطرقتني رسالةٌ مفاجئة في أول ثانيةٍ من دخول يوم مولدي، وأُشعلت أمامي شموع الفرح مقترنةً بهديةٍ بسيطة -وهذا ما لم أعتده- حتى ابتدعتُ هذه البدعة، وأمسيتُ أُوليها أهميةً. وليس احتفالاً لما يُسمى بعيد الميلاد، لكن كمنهجٍ انتهجته في التعبير عن الحب.
وأمسيتُ كلما اقترب أحدٌ من قلبي وحلَّ مكانةً، سألته عن يوم مولده، فأحفظه في ذاكرة الوفاء ولو كان بعد شهور. فأراني أستجمع بياني وأخطُّ له رسالةً أُباغته بها في اللحظة الأولى لدخول مولده، وأقرنها بهديةٍ بسيطة، وأهمس لنفسي كي أترك أثراً قبل أن أمضي. ولم أكن أنتظر من أحدٍ مقابلاً لذلك، لكن ربما يَعِزُّ عليَّ حينما أفعل مثل هذه الأمور التي ربما الكثير من الناس لا يولونها أهمية، ولا أجد ولا واحداً قط ربما يحفظ أني وُلدتُ في هذا اليوم ليُباغتني بها كما أفعل (وليس أن يعرف من الحالة التي أُشاركها فيُعلق لي!). فهذا ما يؤلمني؛ فأشعر أني ما زلتُ أُولي أهميةً لأمورٍ كثيرة لا يُلتفت إليها، وربما ليست في حسابات الناس.
ولا أقصد الهدايا المادية بل المعنوية؛ ألا وهي رسالةٌ تعبر عما في داخلك للشخص الذي تكتب له. وقد علمتني العربية أن أُجيد التعبير، والمواساة، والتهنئة، بهذه اللغة التي تفرح بها نفوس الناس، وتواسي قلوبهم المكلومة، وتشحن نفوسهم. وربما أُعزي النفس أني تعلمتُ أساليب اللغة والتعبير عما في القلب، والكثير من مجتمعاتنا الشرقية لا يجيدون التعبير حتى لزوجاتهم؛ ولا أعلم أهو برودٌ أو جلافة! ولا أُطالب أحداً أن يكتب لي رسالةً تتفتق عن البيان، فربَّ كلماتٍ بسيطةٍ صادقةٍ نابعةٍ من القلب، تكفي أكثر من رسائل تُجمع بها جُلُّ المحسنات البديعية.
فأراني بعد أن أديتُ واجب القرابة، الصداقة، الحب.. في الأحزان قبل الأفراح، وفي الصعوبات قبل السهولات، أُعلن اليوم أني سأُوطّن نفسي أن أكون كمثل جُلِّ الناس: لا أُعير أهميةً لمن وُلد في هذا اليوم، ولن أكلف نفسي بأدنى شيء، باستثناء العائلة، وأقرب المقربين، والأطفال؛ فهم أبرياء لا ذنب لهم، وفرحةٌ أزرعها في قلوبهم الصغيرة تُساوي عندي مِلءَ الأرض ذهباً.
لكن أبتهل لله في هذا اليوم الذي وُلدتُ فيه أن تُولد نفسي من جديد، وأن أجد ضالتي في الحب، وأن يبقى إيماني فيه لا يبلى أبد الدهر. فربما لن أعتب على كل من حاولتُ أن أعطيه السعادة التي أفتقد، بما أنني وهبتُ كلي لمن لا تستحق. ولا أنسى من الخذلان، لا أنسى خذلانها بعد أن أشعلتُ نفسي لها في يوم مولدها، وكان جزائي نكراناً في اليوم التالي. فأراني وقد بدأتُ أفقد ثقتي بهذا الجنس -ولا سيما فتيات هذا الجيل لما بهنَّ من عُقدٍ وأمراضٍ جسدية ونفسية- أني سأنقم عليهن. فقد بدأت ردة الفعل السلبية هذه تتشكل عندي في الآونة الأخيرة.
وكل من عرفني عن قرب يعلم أني وطّنتُ نفسي، رغم قسوة تلك العلاقة البائسة، أن يبقى إيماني في الحب وفي المرأة، وأني أعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء خيراً”. وأتعامل مع ذوات رحمي بعاطفةٍ منقطعة النظير، وحنوٍ شديد، وعطاءٍ بلا حدود، وطول صبرٍ وتفهم لتركيبتهن النفسية، وتحمل ما يتأفف الرجال منه. ولم أكن جاهلا حتى أنقم على جنسٍ ولدني؛ فمنه أمي، وأختي، وجدتي، وعمتي، وخالتي، بسبب من لم تُقدِّر. لكن ما أراه من فتيات هذا الجيل، اللواتي لا يصلحن سوى للنوم والهواتف، ولا يحملن أدنى مسؤولية، ولا يُرتجى منهن خيرٌ لإقامة أُسَرٍ وإنجاب أطفال، جعل بداية نقمةٍ تتشكل عندي، والله أسأل أن لا تكبر.
ولكن رغم ذلك، لم يعد يهمني سوى أن يعوضني الله عوضاً جميلاً؛ بقلبٍ أُحب بكل نبضه، ونفسٍ وُهبت كلها، وحبٍّ لا يعرف الحدود، وعاطفةٍ كالسيل. أن أجد شبيهتي، ومن تبتدئ حياتي بها، وكل يومٍ يكون معها عيداً، وأن أحفر الذكريات معها في ذاكرة الوفاء. فربما هي نعمةٌ أو نقمة أن ذاكرتي تحتفظ بكل التفاصيل؛ في تواريخها، وساعاتها، ولحظاتها. والسلام على كل ما فات.
وربما رغم كتابتي لهذه الكلمات، إلا أنني في الفترة الأخيرة لم أعد أُولي أمر الحب أهميةً كبيرة بعد أن كنت ظامئاً له. ربما أنتظر أول غَرْفَةٍ منه لأغترفها أياً كانت، لكن الآن ليأتي براحته وإن تأخر، فربما رزقي المتأخر خيرٌ من أرزاقهم المتقدمة. فجُلُّ همي في هذه الأيام أن تمر الفترة التي وضعتها لنفسي في هذا البلد، كي أعود إلى بلدي، وأُقبّل ترابه، وألقى أبي وأمي، فأنكبَّ مُقبِّلاً أيديهما، وإخوتي، وجداتي، وجُلَّ أقربائي، فقد براني شوقٌ لهم. ولسان حالي يقول:
“أَعُدُّ اللَيالي لَيلَةً بَعدَ لَيلَةٍ.. وَقَد عِشتُ دَهراً لا أَعُدُّ اللَيالِيا”
اللهم اغفر لي ذنبي وإسرافي في أمري، واجعله الوارث مني، واجعل ثأري على من ظلمني، وانصرني على من عاداني. اللهم اجعلني كما تحبني، واجعلني ممن طال عمرهم وحَسُن عملهم، وعوضني عن كل ما فات، وقابل ذنبي وزلتي بعفوك ورضاك. فإن أثمن ما في الحياة هو العمر الذي سأعاهد نفسي أن يكون في طاعتك ومحبتك. فاللهم ارزقني من خير الدنيا والآخرة.
قونيا 7/8/2000

meritking   starzbet   jojobet   jojobet   meritking   starzbet   starzbet   mariobet   mariobet   mariobet   meritking   meritking   meritking   grandpashabet   meritking   meritkin   meritking   grandpashabet   meritking   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet   grandpashabet