عندما أصبح الملل عدوًا
الكاتب هانى الميهى
الفصل السابع
السر
لم يكن الملل يومًا عدوًا للإنسان… بل كان الباب الذى يدخل منه إلى نفسه.
كان الملل قديمًا مساحةً فارغة.
أما اليوم…
فأصبح خطأً يجب إصلاحه فورًا.
ما إن تتوقف الحياة دقيقة، حتى تمتد اليد تلقائيًا إلى الهاتف، كأن الفراغ مرض، وكأن الصمت خطر، وكأن الانتظار إهانة لا يجوز احتمالها.
صرنا نخاف الدقائق التى لا يحدث فيها شىء.
لا لأننا فقدنا الصبر…
بل لأننا فقدنا الألفة مع الهدوء.
أتذكر طفلًا كان يجلس أمام نافذة بيته، يراقب المارة، ويصنع من خياله عالمًا كاملًا.
لم يكن يملك ألعابًا كثيرة.
ولا شاشة تشغله.
لكنه كان يملك شيئًا أصبح نادرًا…
كان يملك خيالًا.
أما اليوم…
فلم نعد نترك للعقل فرصة ليبتكر.
كل لحظة فراغ، نسارع إلى ملئها.
وكل ثانية صمت، نهرب منها.
حتى أصبح الخيال ضيفًا لا يجد مكانًا يجلس فيه.
العقول لا تُولد مبدعة.
إنها تحتاج إلى مساحات صامتة.
تحتاج إلى وقت لا يحدث فيه شىء.
هناك، فى تلك اللحظات التى نظنها بلا قيمة، تولد الأفكار.
وتنضج الأحلام.
وتتصالح الروح مع نفسها.
لكننا أصبحنا نخشى تلك اللحظات.
فنقتلها قبل أن تثمر.
ليس غريبًا أن يزداد التعب.
الغريب أن يزداد رغم أن كل وسائل الراحة أصبحت بين أيدينا.
والسبب أن الراحة ليست غياب العمل.
الراحة…
أن يتوقف العقل عن الركض قليلًا.
لكن عقولنا لم تعد تعرف الوقوف.
حتى ونحن مستلقون…
نظل ننتقل من شاشة إلى أخرى، ومن خبر إلى آخر، ومن صورة إلى غيرها.
وكأن داخلنا محركًا يخشى السكون.
أخاف أن يكون الإنسان قد خسر شيئًا عظيمًا دون أن يشعر.
خسر القدرة على أن يجلس فى شرفته، ينظر إلى السماء، دون هدف.
خسر متعة السير بلا عجلة.
وخسر تلك اللحظات التى كان يسمع فيها أفكاره، قبل أن يغرقها ضجيج العالم.
ربما لهذا أصبح كثيرون يعرفون كل ما يحدث خارجهم…
ولا يعرفون ما يحدث داخلهم.
العالم حاضر دائمًا.
أما النفس…
فغائبة.
ليس لأنها لا تريد أن تتكلم.
بل لأننا لم نعد نمنحها فرصة للكلام.
المؤلم أن الإنسان لم يعد يخشى الملل.
لقد أصبح يخشى نفسه.
لأن الملل ليس سوى لقاء مؤجل بين الإنسان وداخله.
وحين يهرب من الملل…
فإنه يؤجل هذا اللقاء مرة بعد أخرى.
حتى يأتى يوم، يشعر فيه أنه غريب عن نفسه، ولا يعرف متى بدأت الغربة.
لعلنا لا نحتاج إلى مزيد من الضجيج.
بل إلى شجاعة الصمت.
ولا إلى مزيد من المحتوى.
بل إلى لحظة واحدة لا نستهلك فيها شيئًا، ونسمح فيها للحياة أن تمر بهدوء.
فبعض الأفكار العظيمة…
لا تولد وسط الضجيج.
وبعض القلوب…
لا تستريح إلا حين يسكت العالم قليلًا.
رسالة الفصل
الملل ليس فراغًا يجب الهروب منه، بل مساحة تمنح الروح فرصة لتلتقط أنفاسها، ويمنح العقل فرصة ليعود إلى نفسه.
تمهيد الفصل الثامن
لكن إذا كان الإنسان قد أصبح يهرب من نفسه، فهل الشخصية التى يظهر بها أمام الناس هى صورته الحقيقية… أم أنها مجرد وجه آخر صنعه هذا العصر؟






المزيد
ماذا لو عاد معتذرآ بقلم خنساء الهادي
لا تقوم بعمل نفس الخطأ مرتين بقلم عبدالرحمن غريب
أنت لا تحتاج دائمًا إلى المزيد بقلم الكاتب هانى الميهى