مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عنترةُ_زمانه

Img 20250101 Wa0023

وليد أسماعيل علي

يا من ستقرأ حروفي فلنصلّي معًا -قبل كلّ شيء- على أفضل الخلق أجمعين، سيّدنا محمد بن عبدالله عليه أفضلُ الصلاة والسلام.

 أما بعد: دعني ألقي عليك سلامٌ ممزوجٌ برحمةِ الله تعالى وبركاته، ثم سأعرفك بنفسي، اسمي أسمر، أسماني أبي ذلك نظرًا للون بشرتي؛ فلقد كان أبي أسمر اللون، وأمي سمراءُ اللون أما أنا فكأنني مزيجُ لونيهما الاثنين معًا، فكنتُ أسود اللونِ، كثيف الشعر كأمي، ولكن كنتُ أحمل ملامح أبي أكثر، وكان لوني هو محور حياتي؛ فلقد كنتُ مادةً دسمةً للتنمرِ ممن هم فاقدي العقل كما أسميتهم.

  كما قلت لك كان لا يمر يوم إلا وكان الجميع يسخر منّي فكانوا ينادونني ب(أسود) عِوضًا عن (أسمر)، حتى أنني عندما ألعب مع الأطفال ممّن هم في عمري، يأتي ذويهم ويأخذونهم بعيدًا عني قائلين لي: أيها الأسود، اذهب بعيدًا حتى لايصاب أطفالنا بمرضك.

   نعم عزيزي القارئ كانوا يظنون أن لون بشرتي هو مرض؛ ولكن كانتْ عقولهم هي المريضة ولستُ أنا.

  كنتُ كل يوم وأنا صغير أبكي؛ لأن ليس لدي أصدقاء ألعب معهم، فأجلس وأراقب الأطفال أمامي يلعبون، وعندما أقترب منهم يفرُّ الجميع من حولي وأصبح وحيدًا ،وهكذا كانت تمضي الأيام، في كل يوم ليس هنالك تغير يذكر.

  ذات يومٍ أسدت لي والدتي نصيحة، قالت لي: إذا أحببت أن تكون لك مكانة في المجتمع؛ فلابد لك أن تجتهد في دراستك وأن تكون متفوقٌ على الجميع وقتها ستجبر الجميع على القدوم إليك بدلا عن الذهاب إليهم، فوضعتُ نصيحة والدتي نصب عيني، وبدأتُ أجتهد في دراستي دون بحث عن أصدقاء، وكانت تظهر نتائجي كل عام وانا متفوّق على الجميع؛ ولكن كان معلمي يعطيني نتيجتي بعد أن يعطي الجميع نتائجهم مصحوبة بالهدايا، ويقول لي رغم أنك متفوق ولكن لا تنسى بأنك أسود، خذْ نتيجتك ولا أحب أن تعاديني بلونك.

هل أدركت عزيزي القاري حجم معاناتي؟

 تصوّر هذا معلمي الذي يُفترض ان يكون قدوة لي؟  

لكنني لم أكترث لذلك؛ بل كنتُ أواصل الإجتهاد، ومرّت الأيام والسنين، وأصبحتُ طبيبًا في مستشفى المدينة، ولكن لا زلتُ أعاني بسبب لون بشرتي، فعندما يزورني مريضٌ يقول لي: كيف لأسود مثلك أن يكون طبيبا؟ 

يبدو أنك مخادع فيفضلون الذهاب عني عوضًا عن العلاج فكنتُ فقط أكتفي برسمِ ابتسامةٍ بلهاء تتناسبُ مع حجم عقولهم الصغيرة.

  مرّت الأيام وأنا على هذا الحال بشكل يومي، إلى أن داهم المدينة وباء الكوليرا، وانتشر المرض بشكل سريع بين الناس، فرّ كل أطباء المستشفى، فلم يمكثْ فيها طبيبٌ غيري، فوُضِعَ الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما، أما الموت أو العلاج عند الطبيب الأسود كما يقولون، حينها لم يختر أحد الموت، أقبل كل سكان المدينة نحوي فكنتُ أعالجهم بكل تفاني، وكنتُ أقرن الليل بالنهار دون راحة حتى تمكنت من معالجة الجميع، وبفضل الله عدّتْ الأيام؛ بل الشهور وتخلصنا من ذلك المرض، وأصبح الجميع ينظر إلى نظرة شكر وامتنان ممزوجة بنطرة خجل على ما كان يقلونه عني، إلا أبواي، فكانت نظرتهما لي مختلفة، لأنهما كانا ينظران إليّ بكل فخر وفرح لما أنجزته من تحدي لنفسي أولًا قبل تحدي المرض، ثم الجميع، ولقد نجحتُ في ذلك بفضل الله ثم دعاء والدي ورضاهم عني.

  وبعد ذلك جاء عمدةُ المدينة وأقام احتفالًا؛ ليعلنَ خُلُوّ المدينةِ من وباء الكوليرا بشكل تام، وقام بتكريمي، وقال لي: يا بني، لقد ذكرتني بعنترة بن شداد، كان قومه ينعتونه بالأسود، ويتنمرون عليه، وعندما يأتيهم جيش العدو للحرب يكون هو فارسهم الأوحد الذين يحتمون به، وها نحنُ ذا جاءنا جيش الكوليرا، وكنتَ أنت فارسنا الأوحد؛ فحقّـا لكل زمان عنترة، وأنت يا أسمر عنترة زمانك