مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عمالقة الأحقاف

Img 20240724 Wa0439

 

كتبت: سحر الحاج

 

طوفان عظيم هلك فيه من هلك ونجا منه من نجا بقدر الله، أيام تتبعها أيام لتبقى سنين من تلك الأزمان، انتهى طوفان نوح -عليه السلام-، ابتلعت الأرض ماءها، وأُمِرتَ السماء أن تقلع وغِيضَ الماء، إلى أن استقرت الفُلك التي صنعها نوح فوق جبل الجُوديِ في أرض الجزيرة بأمر ربها، حتى انتهى ذلك الطوفان العظيم، فنجوا المؤمنين وكانوا موحدين لم يكن بينهم من يدعو غير الله، لأنهم عاشوا وشاهدوا هذا الطوفان العجيب؛ ولم يجعل نسلُ ولا عَقِبا مع نوح -عليه السلام- إلا ذريته هم الباقين فكانوا هم أولاده الثلاثة “سام وحام ويافث، وكل من ولد بعد فوران التنور الطوفان العظيم هو من نسل نوح -عليه السلام-

اقتسم الأبناء وولد كُل منهم من بقي أصله إلى يومنا هذا.. ومرت السنوات ومات الأجداد والآباء، فبقي الأحفاد ونسوا وصية آباءهم التي كانت تأتيهم من نبيهم ورسولهم نوح -عليه السلام- تبدلت الأحوال في الأرض، وعمَّ الفساد وعبدة الأصنام انتشر الشرك يومًا بعد يوم، في أمة كانت من خير الأمم أصلها التوحيد.

جاء الأحفاد وقفوا يتشاورون فيما بينهم قال بعضهم كما زين له إبليس اللعين:

” هياا نصنع تماثيل وأصنام لآبائنا؛ حتى نذكرهم بها ولا ننساهم أبدًا”.

*********

“الأحقاف” بين الجبال والرمل في بلاد اليمن، بين عُمان وحضرموت أرض خضراء جميلة، مطلة على البحر الواسع أطلقوا عليها اسم “الشحر”، تحدُوها المرتفعات الخضراء وتلال رملية هنا وهناك، سكنت قبيلة عربية يقال لها “عاد بن عوص بن سام بن نوح”، في وادي “مغيث” كانوا هم أول قومٍ سكنوا الأرض من ولد نوح، قومُ جبارين لم تشهد لهم الأرض في طغيانهم وقوتهم وبطشهم وأجسادهم، حتى في العناد والفساد والكفر، كانوا عمالقة ضخام الجسم، طوال القامة والعمر، عبدوا الأصنام ولم يعبد قبلهم أحد صنم إلا هم؛ فاتخذوا من “صدا وصمودا وهرا” آلهة لهم؛ وهم ثلاثة رجال صالحين من قوم نوح، عندما ماتوا أرادوا أن يتذكرهم فجعلوا تماثيل تشبههم، يدعونهم ويتعبدون بهم.

كانوا يبنون عند الطرق المشهورة بنيانًا هائلًا شاهق الارتفاع؛ لمجرد اللهو واللعب وإظهار القوة التي رزقهم الله إياها، فينشِؤن الأبنية المبهرة من القصور المشيدة يرجون بها الخلود في الدنيا؛ كأنهم لا يموتون أبدًا، وكانوا يسكنون الخيام بطبعهم لها أعمدة ضخمة كبيرة الحجم، يثبتون بها قاعدتها ساعدتهم بنيتهم الضخمة على بنائها من غير جهد.. كانت لهم على وجه الدهر من اليمن، ذات القدود الطوال بضخامة أجسادهم، احتوت أرضهم بالعشب وعيون الماء الوافر تسقطه الأمطار الغزيرة على الجبال وتصل في النهاية إلى رمال الأحقاف، يفرحون بها ويستبشرون بها الخير، ولهم من الأنعام والكروم والحدائق في كل مكان، ينابيع متدفقة على الأرض، وكروم وحدائق وماشية مختلف الأنواع؛ حتى الأرض كانت تحمل لهم تحتها من خزائن الماء العذب، فصار اعتمادهم عليها حتى أصبحوا يتباهون بالمال وبصنعهم وجبروتهم، فكان لهم العناد والبطش والكِبر في الأرض بغير الحق!

أكثر ما يميزهم أن الله آتاهم بسطةً في أجسامهم يتميزون بها وقوة في أبدانهم.. فعاثوا في الأرض فسادًا.

 

*********

فتى ذا شأن ومكانة جميل الملامح هادئ الطبع بشاشة ترتسم على ملامحه، لم يكن بالطويل ولا القصير متوسط الطول، أسمر البشرة، كثيف الشعر، له وجه جميل يشبه “آدم” -عليه السلام- غاية الشبه. عمل “هود” قبل نبوته في التجارة، ولد وترعرع في ديار “الأحقاف” كبر فيها، وعلا شأنه ومكانته نسبه الشريف فهو من ولد “سام بن نوح”، نشأ على العبادة تقيأ زاهدًا، كريمًا ورحيمًا للمحتاجين.

أرسله الله من بينهم لم يكن غريب، بل كان أخًا لهم فجاءهم النذير من قومهم، كبر وعاش بينهم فكان أخًا لهم في النسب وليس الدين، وأوسطهم حسبًا ونسبًا، وأكرمهم خَلَقًا وخُلُقًا، يمتلك رجاحة في العقل والحكمة، نبي كريم شريف. تزوج منهم وولد منهم يقال أن زوجته تسمى “عروة” وله ابن صاحٌ يسمى “فالج بن هود”.

بعثه الله لهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، وأن لا يشركوا به شيئا، لكنهم خرجوا له رافضين وعتوا عن أمر ربهم، يسير “هود” بينهم يرى فسادهم، ودعوتهم لغير الله بعبادتهم الأصنام، إذا أصابهم مرضُ أو ضُرٌ يلجؤون إليها، طالبين منها دواءهم، ينادي بينهم يقربهم منه ويرشدهم لطريق الصواب، ولكنهم يصدونه بكل جبروتهم.

طغوا في الأرض وعاثوا فيها فسادًا، يزل القوي منهم الضعيف، ويبطش الكبير منهم الصغير، من حيث لاحول لهم ولا قوة؛ فأراد الله -عزوجل- هداية للأقوياء ونصر وتأيدًا للضعفاء، يبين لهم سفاهة عقولهم وبطش أيديهم وسوا عبادتهم؛ فكان “هود” منهم وفيهم يفهم لغتهم، يتكلم معهم يعرف عنهم كل شيء؛ كما قال تعالى:

{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} سورة الأحقاف:21

هكذا ظل هود -عليه السلام- يحاول مرات متكررة، لتركهم سوا عبادتهم، اقلاعهم عن عاداتهم الجاهلية، لم يستسلم لجهلهم وعنادهم، ولكنهم استكبروا عليه واستهزؤا به، لم يفُتُر وهو يدعوهم في المجالس يجلس بينهم، ويخبرهم قائلا:

-“يا قومِ أنما أنا نذير لكم، أمركم أن تعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئًا”.

قاموا من مجالسهم مستهزئين مستكبرين يقولون له:

-” إنا لنراك في سفاهة وكذب، بالنسبة لما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام، التي نُرجِي منها النصر والرزق..”

وقال آخرون:

-“ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك”.

لم يلتفت واحد منهم لانذاره من عذاب الله تعالى، استمر هود -عليه السلام- يذكرهم بنعم الله عليهم، وأنه لم يأتيهم إلا ليبين لهم الحق:

-“يا قومِ لا أسألكم أجرا، أنما أبتغي بذلك النفع، أما لكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم للحق المبين؟!”

لم تكن دعوة هود -عليه السلام- مصحوبة بمعجزة مادية، أتاه الله معجزة روحية وهي رسوخه وثباته على دعوة قومه إلى التوحيد فارادو تعجيزية وطلبوا منه أن يأتي ببينة، صمت ينظر إلى وجههم يستمع إلى اعتراضهم، لم تغادر البشاشة وجهه يزداد جمالا لكما ذكرهم بالله، يضئ قلبه بنور الإيمان، يتمسك بعقيدته التي جاء بها، ينتظر منهم التوبة ونطق كلمة التوحيد، يراهم واقفون يعترضون، يجادلون رافعين أيديهم تحذيرًا له بالصمت ولا يقول المزيد:

-“ما جئتنا بخارقٍ يشهد لك بصدق ما جئت به، وما نحن نترك عبادة أصنامنا لمجرد قولك؛ بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته!”

صمتوا قليلًا وكأنهم يفكرون ليقول واحد منهم:

-“وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه، وأنما أصابك هذا لأن بعض آلهتنا غضب عليك؛ وأصابك في عقلك اعتراك الجنون بسبب ذلك”.

نظر إلى جمعهم الغفير يحدثهم بصوتٍ وقور:

-“إني أُشُهِدُ الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون”.

واصل حديثه لهم، لما يراه بسبب تمسكهم لآلهتهم المزعومة:

-” إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو أخذٌ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم”.

وأكمل قبل أن يعترضوا:

-” أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم، على رجل منكم لينذركم”.

عادهم هود -عليه السلام- كل يوم للحق ولكن يأتون جبارين معترضين يضحكون عليه وأنه لن ينجح في تغيير آلهتهم قالوا مستنكرين أحاديثه لهم يستبعدوا القيام والبعث والعذاب:

-“أيعدكم أنكم إذا مِتُم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون؟!”

أجابوا على أنفسهم قائلين:

-“هيهات، هيهات هذا الوعيد بعيد، إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين”.

نقل نظره بينهم يحثهم على الإيمان، يحاول أن يرى بصيص من الأمل في وجوههم وجبورتهم، لكن هؤلاء هم عاد الأولى لا شيء ولا قول يرخي أبدانهم ويهدي جحدهم، ذكرهم بما حولهم من كل مكان لعلهم يفهمون ويعقلون نطق مجددا يعظهم:

-“أتبنون بكل مكان مرتفع بناءً عظيمًا، هائلًا كالقصور ونحوها تعبثون ببنائها؛ لأنه لا حاجة لكم فيه، ومع ذلك إلا إنكم تسكنون الخيام!”

لهذا كان يطلق على مدينتهم اسم “إرم” وهي مدنية بخيام لها أعمدة عظيمة، نسوا تلك النعم الخالدة التي وهبهم الله لها، وواصلوا في فسادهم..

إلتفت رؤساء القوم منهم يتحدثون ويتساءلون بينهم:

-“إليس هذا النبي بشرا مثلنا يأكل مما نأكل ويشرب مما نشرب؟! بل ولعل بفقره هذا يأكل أقل مما نأكل، ويشرب في أكواب صدِأ ونحن نشرب في أكواب الذهب والفضة، فكيف يدعي أنه على الحق ونحن على الباطل؟ هذا بشرٌ يا قوم ثم لماذا نطيع بشرًا مثلنا؛ ثم لماذا اختار الله بشرًا من بيننا يوحى إليه؟!”

قالوا له مشمرين رافعين رؤوسهم:

-“أجئتنا لنعبد الله وحده ونخالف آبائنا وأسلافنا وما كانوا عليه؟! فإن كنت صادقًا بما جئت به، فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال، لأننا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك!”

زاد الصراع بين هود -عليه السلام- وقومه وكلما مرت الأيام أصابهم استكِبارًا وعنادًا وكفرًا وشركٍ بالله وطغيانًا وتكذيبٍ لنبي الله -عليه السلام-.

لما يأس هود -عليه السلام- من هؤلاء القوم العمالقة الجبارين، تركهم غاضبًا منهم، عندما قالوا أنهم ليسوا بمعذبين أن وعظهم أو لم يعظهم، فاستحقوا من الله أشد العذاب سيعذبهم وينزل عليهم ما يستحقون، بعد أن تمسكوا بآلهة لا تنفعهم ولا تضرهم، عُميت قلوبهم عن سماع الحق والموعظة، ولأن الله رأى في قلوبهم الشرك والكفر والطغيان فختم عليها وطبع عليها بطابع الكفر، فلا يخرجوا منه أبدًا كُتب عليهم العذاب فانتظر عليه السلام، تأييد الله له وانتظروا قومه كذلك وعد الله؛ حتى جاء الوعد الحق وبدأت الأرض بالجفاف، ولم تعد تأتي السماء بأمطارها بأمرٍ من الله -عز وجل- فهرع القوم مسرعين إلى هودًا -عليه السلام- في مجلسه يسألونه يقولون:

-“ما هذا الجفاف يا هود؟!”

قال لهم وهو جالس مطمئنا يعلم أن هذا هو وقت العذاب:

-“إن الله قد غضب عليكم ولو أمانتم فسوف يرضى عنكم فينزل عليكم المطر؛ ويزدكم قوة إلى قوتكم فاستغفروا ربكم يا قوم”.

سخروا منه وضحكوا مستنكرين ما سيحل عليهم، وزادو في العناد والسخرية والضلال؛ فزاد الجفاف أكثر وأكثر اصفرت الأشجار التي كانت خضراء، ومات الزرع بعد أن كان يملأ أرضهم خُضُر وحياة، وجاء يومٌ إذ راو سحابةً عظيمة تأتي تملأ السماء، ركضوا خارجين من بيوتهم فرحين بها مستبشرين قالوا:

-“هذا عارضٌ ممطِرُنا”.

بل هو الذي استعجلوا له ريحًا عظيمة فيها عذاب عظيم، تدمر كل شيء بأمر ربها. فكانت الريح الصرصر العاتية هي معجزة له وتأييد له على هؤلاء الجبابرة، تغير الجو فجأة فتحول من الجفاف الشديد والحر الشديد إلى البرد الشديد القارس، بدأت الرياح تهب وكل شيء بدأ يرتعش واضطرب من شدة البرد والريح الأشجار والنباتات، والرجال والنساء والأطفال والخيام، واستمرت الريح ليلةً بعد ليلة ويومً بعد يوم، وكل ساعة تمر كانت برودتها تزداد أصابهم الخوف وبدأوا في الفرار يختبؤن في الخيام طالبين الدفء والحماية، فاشتد هبوب الرياح حتى اقتلعت الخيام من مكانها، اختبأوا تحت الأغطية فزاد اشتداد الرياح أكثر وتطايرت الأغطية، كانت الرياح تمزق كل شيء بأمر ربها، تمزق الملابس والجلود وتنفذ من فتحات الجسم وتدمره أشلاء، لم تكد تمس الريح شيء إلا قتله ومزقته ودمرته غضبًا لغضب ربها وجعلته كالرميم.

ترفع الريح الرجل منهم عالًيا، ثم تنكسه على رأسه في الأرض فينقطع عن جسده تراهم بلا رؤوس، فبادوا عن آخرهم ولم تبقى لهم باقية، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم باقية وكذلك كان جزاء الكافرين المجرمين.

اتبعهم الله في هذه الدنيا غضب وسخط ويوم القيامة كذلك، وجعلهم عبرة لمن خلفهم في العذاب، فلهم في الدنيا خزي وفي الآخرة خزي وعذاب اليم.

استمرت الريح الصرصر العاتية على قوم عاد سبعة ليالً وثمانيةً أيام حسومًا بشدة مستمرة لم ترى من الدنيا مثلها قط، غضب من الله -عز وجل- وسخطً عليهم فقد أهلكت القرية كاملة، وغمرت الريح القرية جميعا وعادت كأنها لم تكن؛ ثم توقفت الريح بأمر ربها كما كانت بدأت بأمر ربه، وما كانت باقية من قوم هود إلا ما يبقى من النخل الميت، أنه مجرد غلاف خارجي لا تكاد تضع يدك عليه حتى يتطاير ذراتًا في الهواء، فنجى الله برحمته هودًا -عليه السلام- ومن آمن معه، وأهلك الله بعدله وحكمته الجبابرة الطغاة الظالمين الكافرين المجرمين، فكانت نهاية عادلة لمن يسعى في آيات الله معجزًا فيها يحسب أنه شديد قوي، ونسى أن الله هو القوي العزيز المنتقم.

انتقل نبي الله هود -عليه السلام- ومن آمن معه إلى مكة، فما زالوا بها حتى ماتوا. كانت أعمارهم بحوالي اربعمائة سنة.

توفي نبي الله وله من العمر مائة وخمسين سنة، وقبره على تل من رمل أحمر بحضرموت ويقال بمنطقة ظفار في عُمان، وبعضهم يقول دفن بمكة في حجر إسماعيل عليه السلام.

 

تمت…