كتبت منى محمد حسن:
أعتذر عزيزي القارئ كنت قد عودتُك على قراءة أحرفي السوداء، أظنك الآن تخالني أرتاد عيادة نفسية أو ما شابه_هههه_ أنا مثلي مثلك لدي فصول في مشاعري كما فصول السنة، أحب فصلي المزدهر وأخاف صيفي.
لكن لنعد إلى مراحلنا العُمرية، يجب أن تكون طفولة ممتعة مليئة بالألعاب والدلال وبعض التساؤلات متى سأكبر، ثم تأتي مرحلة المراهقة تختلف بيننا بعضٌ منا يكون هادئ والآخر صعب المزاج وغيرنا يكون في بدايات تكوين المشاعر وآخرون كغيرهم، ثم الشباب الذي فيه تُحدد شخصياتُنا مشاعرنا ومشاكلنا، ثم مرحلة النضج التي نحل فيها مشاكل المراهقة والشباب ومن ثم مرحلة الكبر ثم الشيخوخة وهكذا دائرة الحياة الدائرة.
ولكن!
حين يمر أحدنا بطفولة بلا دلال ينقصه شيئًا ما عند المراهقة ثم شيئين عند الشباب ثم أشياء عند النضج_إذا وصل مرحلة النضج أصلًا_ وهكذا هي دوامة النقصان كلما كبرنا كبرت مشاكلنا وهمومنا التي تبدأ حين البداية الخاطئة.
مهلًا عزيزي القارئ أقحمتك في محاضرة تنمية بشرية ونسيت النص.
النص:
إنني فتاة أبلغ الثانية والعشرون من عمري عند نهاية ديسمبر المثلج، عِشت طفلة مدللة بين جدها وجدتها، ومراهقة أني الفتاة الوحيدة عند والدايّ ما يعني أني عند الكثيرون أتمتع بنوع خاص من الدلال _هههه_ حسنًا.
لدي الكثير من الأصدقاء، في المدرسة، الحي، الثانوية والجامعة أيضًا، لكني تعودت الفراق، ماتت صديقتي ونحن على مشارف إمتحان الثانوية العامة، ثم عند بداية دراستي الجامعية ظهرت نوايا صديقةً لي منذ الثانوية وفارقتني هي أيضًا، ثم تعرفت على الكثيرين من خلال (الثورة)
انتقيت أفضلهم، استشهد الأول عندما قام العسكر بفضِ إعتصام القيادة العامة، ثم الآخر بعد سنتين، ثم جاءت فاجعتي الأخرى، إنها الحرب…
بدأت الحرب اللعينة في الخرطوم، فقدت منزلي، أصدقاء الحي صديقات الجامعة ورفاق الثورة فنزحت حالي كحال ثلاثة أرباع سُكان الخرطوم، تاركة خلفي صديقٌ لي ليس كبقية الأصدقاء، هو الذي آتيه حين حزني فأذهب عنه بلا حزن وآتيه حين فرحي فيزيده، أهرب إليه حين تأخذني الدنيا باللكمات فيضمِّد الجروح، صديق بنكهة أخ، أحببت دومًا رؤية العسكر يهابون رؤياه يهتف في وجوههم، أو عندما يرمي عليهم بالحجارة ضد الرصاص.
أذكر أنه حادثني عند الثانية عشر منتصف الليل، يخبرني أنه يفتقد أيام لقائنا عند تقاطع الطرق المؤدية إلى “بحري” في “أمدرمان” أخبرته أننا سنعود، فأخبرني حتمًا سنعود وأنه في الرابع عشر من نوفمبر قد استلم سلاحه وأصبح جنديًا في القوات المسلحة، نعم صعقني الخبر، كان أقوى من عواصف أغسطس بادرت بإظهار خوفي وقلقي وكعادته أمسى يضمد الجروح كما العلاج لكل شيء!
عند السابعة صباحًا من السابع عشر من نوفمبر، الصباح الذي إسودّ بخبر فقدانه، بين قائل أنه جريح وآخر يخبرنا أنه شهيد والآخر معتقل.
هرعت إلى الإتصال به لم يكن هناك من يرد!
خِفت أن أسأل أحد، حتى لا يؤكد لي أنه ليس بخير، خِفت أن أواجه ضعفي، بفقدان آخر وهذه المرة فقدان الأعز بين المفقودين!
صرت أُرسل لكل من أعرفه أو من يقال أنه يعرف مكانه، لم نجده!
حتى أتى رفيق له وأكد خوفي وأكد لي موته (ليت الشبكات لم تتحسن قد تأكد خبر استشهاد الرفيق مزمل طارق المدعو ماكس إنا لله وإنا إليه راجعون)
ماذا؟
هرعت إلى الهاتف مرة أخرى لم أجد ضمادة جروحي؛ فكثرت جروحي وازدات آلامي وأحرفي السوداء المخبأة بين جيوب قلبي رآت النور في عيناك عزيزي القارئ.
كهذا ولدت تلك الحروف السوداء أو بالأصح خرجت لأنها لم تجد تلك الفراشة التي تعطيها من الرحيق قليلًا، وذاك الذي يمسح على الآلام وكأنه يرقيها.
إنني ميتة عزيزي القارئ، منذ السادس عشر من نوفمبر تأكد موتي عند عصر الثامن عشر من نوفمبر، ومن تقرأ لها الآن ليست إلا جثة ببقايا روح تنتظر لقاء أصدقائها المفقودين.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق