كتبت: آية الهضيبي
نحنُ اجتماعيون بطبيعتنا وفطرتنا التي تقودنا إلى استكشاف الكثير ممن حولنا، ولكن تُقحمنا ويلات الظروف باللجوء إلى العُزلة لبعض الوقت لِنستعيد ذواتنا ونُلملم شتاتنا.
وكما أنَّ كِّل شيء له إيجابيات وسلبيات أيضًا فقد ذُكر في القُرآن “وأعتزلكم”، “وإذ اعتزلتموهم” وهذا عند الخلوة بينك وبين الله أو عندما تتجنب الدخول في لغو أو حديث ليس به أي فائدة؛ بل ضرر.
والغريب أنك تلجأ للإنعزال وهذا غير طبيعي؛ لأن لا إنسان يستطيع الانعزال عن الناس لفترة طويلة، وعندما تجلس مُنعزلًا تُهاجمك أفكارك تارة وأشباح الماضي تارةً أُخرى ولا تسلم مِن عقلك حتى تجد فؤادك يفتقد للأُنس ويفتك به الشعور بالوحدة تدريجيًا حتى يعتاد ذلك..
البعض سجين أفكاره وعندما تُسيطر عليه فإنه يدخل في دوامة لا تنتهي من جلد الذات والندم أو الضجر والغضب، وتخرج حينها الذكريات من مخبئها تُحاصره وتفتك به.
قال ابن تيمية:لا بُد للعبد مِن عُزلة لعبادته، وذِكْره وتلاوته، ومُحاسبته لنفسه، ودعائه واستغفاره، وبُعده عن الشر ونحو ذلك..
ولقد عقد ابن الجوزي ثلاثة فصول في (صيد الخاطر) مُلخصها أنه قال: ما سمعتُ ولا رأيتُ كالعُزلة، راحةً وعزًّا وشرفًا، وبُعدًا عن الحساد والثقلاء والشامتين، وتفكُرًا في الآخرة واستعدادًا للقاء الله عز وجل، واغتنامًا في الطاعة وإخراج كنوز الحِكم؛ ففي العزلة استثمار العقل وقطف جنى الفكر.
وفي العُزلة سترٌ للعورات: عورات اللسان، وعثرات الحركات، وفلتات الذهن، ورعونة النفس، فَالعُزلة حجابٌ لِوجه المحاسن، وصدفٌ لِدُرِّ أفضل وفي العُزلة تجد التأمل والترقب والتفكر والتدبر، وفي العُزلة تحرص على المعاني، وتحوز على اللطائف، وتتأمل في المقاصد.
ولا تُرائي في العُزلة؛ لأن الله يراك إلا الله، ولا تُسمع بكلامك بشرًا، كُّل اللامعين والنافعين والعباقرة ورواد التاريخ وكواكب المحافل، كلهم سقوا غرس نُبلهم من ماء العُزلة حتى استوى على سوقه فَنبُتت شجرة عظمتهم، فَآتت أُكلها كُل حين بإذن ربها.
رُبما تفقد ذاتك في زحمة الحياة ولا تجدها وسط الآلاف بل الملايين من البشر؛ فتلجأ للعُزلة لِبعض الوقت؛ ولكن انعزل ولا تزد.






المزيد
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟