كتبت: علا يوسف اللبان
كل إنسان يسعى في هذه الحياة إلى أهداف مختلفة، ومراتب عالية، وألقاب متميزة، لكن السعي إلى الرشد هو أهم الغايات؛ اهتمت نظريات علم النفس الحديث بمرحلة الرشد فيما يتعلق بالجانب العقلي، جانب نمو الإدراك والوعي للإنسان وتعرف بأنها ذروة الإنتاج الإنسان وتمتد من سن ٢١– ٤٠عامًا، وتتسم هذه المرحلة بالاستقرار، والاستقلالية، واتخاذ القرارات المهمة في حياة الفرد، كما أنها ترتبط بالنمو المتكامل في الجوانب الأخلاقية، والصفات الاجتماعية، والعقلية، والفسيولوجية، وتكوين الهوية، والقيم الرئيسية في حياتنا.
جاء الرشد في القرآن على خمسة معان فصلتها آياته، وهذه المعان هي: الهدى، والحق، والإيمان (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة / ١٨٦] (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا) [البقرة ٢٥٦].
رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.
“سورة الكهف ١٠”.
البلوغ والأهلية للتصرف في المال وسداد الرأي، وذكرت في موضع واحد (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء ٦].
ومعنى الصلاح (وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)[الأعراف / ١٤٦] والمقصود هنا بسبيل الرشد طريق الصلاح.
ومفهوم العلم (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف: ٥١]. كما كان لها معنى النفع “قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا”.”الجن ٢١”.
هذه العناصر لازمة – بل مكون أساس – لشخصية الإنسان المُستخلف، وتعكس حالة الحرية، الفطرة التي يولد عليها الإنسان، والتي تتيح له الاختيار من بين متناقصين، كما أنها تعكس حالة السعي والجهد الذي يبذله الإنسان المُستخلف، وهي حالة المجاهدة الذاتية الداخلية (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، والعوامل الخارجية (العوائق المادية والفكرية) التي تحول دون وصول الإنسان إلى الهدى، والحق، أو تحرف مساره بدعاوي متعددة. وتتضح أوجه التلاقي بين مؤشر الجانب العقلي لمرحلة الرشد بحسب -بحوث علم النفس- والمعنى القرآني الذي يقيم مرحلة الرشد بحسب القدرة على التصرف في المال، وسداد الرأي في أمور الحياة.
والتي تتطلب بدورها نمو القدرات العقلية لدى الفرد ليتحقق النضج المناسب في السلوك الإنساني.
انفرد المنهج القرآني في تذكير الإنسان بالعودة إلي ذاته، لأن التوجيه إلى آثار العقل وآياته هو الدليل القريب إلى حقيقة الإنسان، إذا وجده الإنسان ميزه عن الجهل، وفرق بين أحكامه الصائبة وخيالات النفس، وإذا استيقظ العقل داخل الذات بالتذكرة به والتوجيه إليه، استطاع الإنسان أن يسكن إلى نفسه، ويثق بفكره، ويهتدي إلى السبيل إلى كل علم وكل خير.
الصلاح هو تحمل الإنسان لمسؤولياته تجاه الكون، أي الانتقال من حالة هداية الذات إلى هداية العالم، وهو ما يستوجب من الإنسان عملين متكاملين الأول: نقض الفساد وهدمه، والثاني طرح الهدى والإيمان مقابل هذا الفساد سواء كان هذا الفساد في الإيمان أو في طرق التفكير.
كما أن مفهوم الرشد- هو أداة العمران، وهو التفضيل الذي فضل الله به الإنسان على الملائكة فقد ذُكر في حوار الملائكة مع الله حول “خلافة الإنسان” في الأرض أكثر من مرة، كما أنه أداة لاكتشاف الله في الكون والخلق “فَأَتْبَعَ سَبَبًا* ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا”. “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ”. أما النفع مبدأ وقيمة للعمران بصفته الملازمة له وهي المكوث في الأرض، فالنافع دائمًا يمتد أثره في البناء الإيجابي على نقيض الفساد الذي يقف عائقًا أمام حركة الكون والمخلوقات في سيرها إلى الله تعالى (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) “الرعد١٧”.
هذا المفهوم هو ما سعى إليه الدكتور عبد الرحمن السميط، لُقب الدكتور السميط “بخادم الفقراء وخادم الأيتام”؛ كانت مقولته الشهيرة:”نحن لا ننتظر شهادات من أحد، نحن عملنا في الميدان، وننتظر من الله فقط أن يتقبل منا”. كما أنه قال: ” سألقي عصا الترحال يوم تضمنون لي الجنة، ودون ذلك فالعمل حتى يأتي اليقين، فالحساب عسير”. قال ابن االقيم رحمه الله :” العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جِرابه رملاً، يثقله ولا ينفعه. ” لهذا أستطيع القول بأن الدكتور عبد الرحمن السميط لم يدع جذوره تتعمق إلا في المكان الآمن، الذي لا يقلق فيه على أغصانه.
ولادته ونشأته
الداعية الدكتور عبد الرحمن السميط ولد في الكويت عام ١٩٤٧م، رائد العمل الخيري وصاحب الدعوة بالإغاثة في إفريقيا.
ـ إنسانيته وحبه للخير
تحققت له أول مبادرة خيرية في المرحلة الثانوية، فقد لفت انتباهه مجموعة من العمال الذين تغربوا عن بلادهم:
“يعملون في حرّ الشمس، ثم إذا انتهوا من عملهم وقفوا لانتظار وسيلة النقل، وربما طال انتظارهم” فقرر مع زملائه شراء سيارة قديمة، والعمل على نقل هؤلاء العمال إلى منازلهم بالمجان.
ـ دراسته وتفوقه
أنهى دراسته الثانوية بتفوق، وتقدم بطلبين لدراسة الطب أحدهما في مصر، والآخر في الولايات المتحدة الأمريكية، وأتى القبول في الدولتين، لكنه اختار الدراسة في جامعة بغداد، بعدما سمع بصعوبة الدراسة فيها “الكلية التي لا ينجح فيه أحد”، فالتحق بها، واجتاز اختباراتها بتفوق.
سافر إلى بريطانيا: حيث درس فيها لنيل درجة الدبلوم، فحاز الدبلوم الطبي في أمراض المناطق الحارة.ثم إلى كندا: فأتم الدراسات العليا في الجهاز الهضمي والباطنية في المناطق الحارة.ثم عاد إلى بريطانيا مرة أخرى: ليعمل في مشافيها لمدة عام.ثم عاد إلى الكويت، ومارس مهنة الطب فيها لمدة ٣سنوات.
ـ الطبيب الإنسان
إذ عُرف عنه مراعاته لأحوال المرضى، وسؤاله عن ظروفهم، وأحوالهم الأسرية، والاجتماعية، والاقتصادية، وسعيه في قضاء حوائجهم، ولا جرم. فقد أحب عمله كثيراً فهو حلم حياته منذ الطفولة.
ـ التزامه الديني وثقافته
ازداد التزامه الديني، وأخذ بشراء الكتب، سخر وقته وجهده، وماله لتعليم الناس أسس الدين في إفريقيا، وأسلم على يديه الملايين.
الجهل في أفريقيا
بعد دراسة مُتعمقة لأحوال الناس في إفريقيا تأكد له أن ملايين المسلمين في أفريقيا: لا يعرفون عن الإسلام إلا الخرافات. وجد أن الغالبية العظمى من المسلمين عرضة للتنصير، وأن أبناء المسلمين قد تنصروا فعلًا بفعل حركات التبشير المنتشرة في أفريقيا.
كان بإمكانه العيش في كندا أو أوروبا، لكنه رفض ليعيش ٢٦ عام في مناطق نائية أو غابات وانتهى به الأمر ليعيش في قرية صغيرة ينقطع فيها الماء، والكهرباء، ولأنه مصاب بمرض السكري فكان هذا جهاد عظيم بالنسبة له، لا يوجد فيها أساسيات الحياة، لكنه كان يشعر بالسعادة عندما يرى إنسان يرفع يديه بالشهادة، يشعر أنه أعظم من أكبر ملك في الدنيا.
أسلم على يديه ١٣٠ ألف شخص في شهرين بعد أن أجرى دراسة على قبيلة اسمها “الأنتيمور” بها مليون نسمة في جنوب شرق مدغشقر، كتب كتيب صغير عنها لشرح أحوالهم؛ حيث أنهم لا يعرفون شيئًا عن اللغة العربية، ولا يعرفون أي شيء عن الإسلام.
قبل ١٢٠٠ عام بدأوا الهجرة، وآخر دفعة وصلت قبل ٦٠٠ عام أصلهم من الحجاز، لكنهم لا يأكلون الخنزير، كما أن أيام الأسبوع عندهم عربية، ويوم الجمعة هو اليوم المقدس عندهم، لكنهم لا يمارسوا شعائر الإسلام، أجدادهم أسمائهم عربية وإسلامية، يحبون شخص كان موجود حسب تفكيرهم في قرية اسمها مكة، واسمه محمد لكنهم لا يعرفون أنه نبي لكنهم يمدحونه ويحبونه كثيرًا مما سهل مهمة دعوة إلى الإسلام.
بالرغم من معاناة الدكتور عبد الرحمن من ١٤ مرض أغلبها أمراض مزمنة إلا أنه كان يريد الذهاب لقبيلة اسمها مكة في مدغشقر، المسافة إليها حوالي ٤ ساعات، وفي آخر طريقها مستنقعات بها ماء ملوث بروث البهائم يصل حتى الصدر، لكنه أصر على دعوة أهلها فهم لم يعرفوا شيء عن بلاد العرب، سألهم الدكتور عبد الرحمن عن دينهم فقالوا نحن مسلمين بروتستانت، قالوا له هذا ما وجدنا عليه أبائنا، ولا نعرف إلا هذا.
فسألهم عن الصيام والصلاة، فأجابوا بعدم معرفتهم عن شيء من هذا القبيل. فبدأ يدعوهم إلى الإسلام وبدأ يشرح لهم مبادئ الإسلام.
مهمة عظيمة
أخذ الدكتور عبد الرحمن على عاتقه مهمة العمل الخيري في أفريقيا، وإنقاذ الناس من براثن الكفر والشرك، مهمة تكاد تكون مستحيلة، قال ابن القيم رحمه الله:”لو أن أحدكم همَّ بإزالة الجبل وواثقٌ بالله لأزاله”. كانت التقوى والعمل الصالح الباعث القوي للدكتور عبد الرحمن للدعوة في إفريقيا.
أفكاره ومشاريعه الخيرية
تقدم الدكتور عبد الرحمن السميط بمشروع عمل خيري إلى وزارة الأوقاف الكويتية، لكنه لم يلق قبولًا، ثم جاءت إحدى المُحسنات فتبرعت بمبلغ لبناء مسجد خارج الكويت، فبناه في جمهورية مالاوي، وأقام عليه شخصيًا ليطلع على واقع الشعوب من أرض العمل.
ـ مواجهة المجاعات
كان يرى أن مواجهة المجاعات والكوارث لا يقتصر على الدول، وأن الدينار، والدرهم، والريال قد يفعل الكثير، مع إيمانه أن العمل المؤسسي هو الأساس.أسس جمعية مسلمين أفريقيا التابعة للخير، والنجاة الخيرية، ثم استقل بجمعية أصبحت أكبر منظمة عالمية إغاثية في إفريقيا هي جمعية العون المباشر.
ـ جمعية العون المباشر
كان منهجه أن الدعوة والتربية ينبغي أن يسبقها: تأمين الغذاء، والحفاظ على الصحة ونيل الاحتياجات الأساسية.
لمس بفكره النيِّر أن الناس مجبولون على فطرة الإسلام: فإقناعهم بدخول الإسلام سهل إذا كانت حاجاتهم مؤمنة.
كان يحفر البئر قبل المسجد: وهذا من فقه الواقع لدى عبد الرحمن السميط.
إسهاماته العظيمة
سعى لبناء المدارس لمحاربة الجهل بالعلم والحسنى.
لم يكن يقدم المال للمحتاجين إلا نادراً: بل يقيم لهم المشروعات التنموية التي تدرعليهم دخلاً ثابتاً، ويطبق بحنكة، ومهارة المبدأ الإسلامي (التنمية المستدامة).ركز على الجانب التربوي؛ باعتباره أهم وسيلة لتحقيق الهدف من بناء الإنسان، لما سُئِل عن استراتيجيته في العمل الأفريقي، قال: “التعليم ثم التعليم ثم التعليم”.
قرار مصيري
ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه ” رواه أحمد.
رزقه الله سبحانه وتعالى القناعة، والرضا وهذه نعم عظيمة ، روى الترمذي رحمه الله عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ.”
لذلك ترك الدكتورعبد الرحمن الحياة الرغيدة، واتخذ قرار مصيري بحمل رسالة دعوة القارة السمراء على عاتقه، فتنقل من مدينةٍ لأخرى، ومن منطقةٍ لأخرى، ومن غابةٍ إلى غابة، لا يعود إلى الكويت إلا لزيارة أهل بيته لبضعة أيام، ثم يعود إلى موطن عمله.
ـ هل كانت الحياة في إفريقيا سهلة ممتعة؟
بالطبع لا.
كانت مزيجاً من المخاطر، والمشقة التي لا يقوى عليها إلا المخلصون الصابرون.
تعرض في إفريقيا لمحاولات قتل كثيرة، من قبل المليشيات المسلحة، بسبب عمله الدؤوب مع الفقراء والمحتاجين.
كما حاصرته أفعى الكوبرا كثيرًا لكنه نجا، إضافة إلى لسع البعوض في تلك القرى، وشح الماء وانقطاع الكهرباء.
ركب القطار لمدة ٤٠ ساعة، وقاد السيارة لمدة ٢٠ساعة متواصلة، وتسلق الجبال، وسار في الوحل والمستنقعات، كل ذلك في سبيل مساعدة الفقراء، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.كانت راحته في الوصول إلى القرى النائية، يحمل الغذاء، والدواء، ويبني المدارس، ويحفر الآبار، ينبه العالم لخطورة ما يحدث في إفريقيا.
ـ إنجازات عبدالرحمن السميط
إذا وُجٍد الإخلاص في العمل كانت النتائج تعجز عقول البشر:
أسلم على يديه ١١ مليون إنسان بمعدل ١٠٠٠كل يوم.
قام ببناء أكثر من ٥٧٠٠ مسجد، و٨٤٠مدرسة قرآنية، ورعاية عشرات الآلاف من الأيتام.
بنى ٨٦٠ مدرسة تضم نصف مليون طالب، أنشأ أربع جامعات، ودفع رسوم ٩٥ ألف طالب ليتم دراسته، درب أكثر من ٤٠٠٠ داعية ومعلم، ودفع لهم الرواتب. قام بتوزيع ١٦٠ ألف طن من الغذاء، والدواء، والملابس.حفر أكثر من ٩٥٠٠بئر ارتوازي.
وزع أكثر من ٥١ مليون نسخة من القرآن الكريم في أفريقيا، و٦٠٠ مليون كتيب عن الإسلام بعدة لغات. كما أنشأ أكثر من مئتي مركز إسلامي. وأنشأ سبع إذاعات ومحطات تلفزيونية.
الأسرة الصالحة
قامت زوجته بالتبرع بكل ثروتها من أجل العمل الخيري في إفريقيا.اشترطت ابنته على عريسها أن يرافق والدها في الدعوة في إفريقيا.أراد أن يهدي حفيدته هدية ثمينة، فلم يجد أجمل من رحلة إلى إفريقيا.
نال الدكتور السميطالعديد من الشهادات والأوسمة، لكن كلمته الخالدة: نحن لا ننتظر شهادات من أحد، نحن عملنا في الميدان، وننتظر من الله فقط أن يتقبل منا.
الإصرار والعزيمة
كانت إفريقيا هي شغله الشاغل في يقظته ونومه، في آخر حياته دخل في غيبوبة، فكان كلما أفاق من غيبوبته يسأل عن إفريقيا، وألف كتبًا حملت عناوين إفريقيا على أغلفتها.
استمر يعمل في الدعوة بعد أن طعن به السنّ، وثقلت حركته وأقدامه، وإصابته بالسكر، وبآلام في قدمه وظهره.
طُلب منه أن يريح نفسه فقال: “سألقي عصا الترحال يوم تضمنون لي الجنة، ودون ذلك فالعمل حتى يأتي اليقين، فالحساب عسير”.
وقال أيضاً: “كيف تريدون مني أن أتقاعد وأرتاح والملايين بحاجة لمن يهديهم”.
وفاته
في عام (١٤٣٤هـ – ٢٠١٣م) فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، ودفن في الكويت، أكثر من فقده من سكن في قلوبهم، بعد أن أسكنهم في قلبه، وعقله، وحياته، فكان بحق كما اعتاد أن يذيل كتاباته: “خادم الفقراء وخادم الأيتام.
جامعة الأمة
راود الدكتور عبد الرحمن حلمًا جميلًا في إنشاء جامعة الأمة في كينيا وهذا الحلم اعتني به لمدة خمس سنوات، وتخطى عقوبات كبيرة، من بينها ترخيص بناء الجامعة من الحكومة الكينية، وجمع تبرعات لها، أراد الله سبحانه وتعالى أن يبشره بالخير في أثناء مرضه، جاءت الموافقة عليها، وتم بناؤها وافتتاحها في مرضه ، وافتتحها كبار المسؤولين في الكويت والسعودية، ونائب رئيس الجمهورية الكينية.
صرحت أم صهيب زوجة الدكتور عبد الرحمن عن ذهابه لزيارة الجامعة بعد افتتاحها بستة أشهر، وكانت معها طالبة تشرح لها شرح وافي عن مباني الجامعة،كانت أم صهيب تبكي لأنها كانت تود أن يكون زوجها معها ليرى نتاج بذوره، فقالت لها الطالبة، ألا تعلمين ماذا ترك زوجك؟
ترك علمًا نافعًا فغالبية طلاب وطالبات المباني من حفظة القرآن الكريم، فماذا تريدين أفضل من ذلك يا أم صهيب؟
وكأن الطالبة أرادت أن تذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك فيما رواه البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته :من عَلّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته. حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب