مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عاشق قهر النساء بقلم صباح عبد الله فتحي

الفصل الأول

 

في أحد النوادي الليلية، الموسيقى صاخبة، والأضواء تتغير ألوانها بين لحظةٍ وأخرى. وعلى إحدى الطاولات كان يجلس أغنى رجال الأعمال، يتنافسون على لعب الأرواح والمال، فتلك اللعبة مجرد حجر نرد ذو وجوهٍ مختلفة، وكلٌ من اللاعبين يقوم باختيار وجه، وسعيد الحظ الذي يكون النرد على الوجه الذي اختاره، يحصل على أفضل عاهرة تعمل في النادي، وتكون المتعة مجانية، أما اللاعبون الآخرون فيقومون بدفع المبلغ الذي تطلبه العاهرة، وإذا تم الدفع لها تذهب مع من اختارها.

 

بدأ النادل يمسك الحجر ويرجّه بسرعة، وهو يستمع إلى الاختيارات الموجهة له، بينما على جانب الطاولة كانت تقف خمس عاهرات من أجمل نساء العالم، تتوسطهن فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها، فائقة الجمال، ذات بشرةٍ قمحاوية، وجهها مستدير كالبدر، عيناها سوداء واسعتان تزينهما الكحل ورموش كثيفة، وشفاهها منفوخة بلونٍ أحمر غامق. شعرها الأسود القصير يصل إلى كتفيها العاريتين، كانت ترتدي ثوبًا أسود لامعًا يُبرز جمالها. وقفت ورأسها مرفوع بكل فخرٍ وشموخ، نظراتها حادة كأنها تُعلن الحرب على من يجلسون أمامها. وقبل أن تبدأ اللعبة، أتاها صوت تعرفه جيدًا وتكرهه أكثر مما تكره تلك الوقفة التي هي مجبورةٌ عليها.

 

_هتبدأوا من غيري؟

 

التفت الجميع إلى مصدر الصوت، بينما هي ظلت واقفة شامخة كما هي، بينما أجاب أحد الموجودين بنبرة تحمل المجاملة:

 

_معقولة نبدأ من غيرك يا أستاذ نيل؟ ده اللعبة ما تحلوش غير بيك.

 

كان نيل شابًا في الثلاثين من عمره، وسيمًا جدًا، بشرته حنطية، ذو عينين زرقاوين، وشعره أشقر يصل إلى أسفل أذنيه. جسده فارع الطول، مفتول العضلات، وقد ورث تلك الملامح الأجنبية من أمه الأمريكية. كان يرتدي بدلة رمادية اللون مع قميصٍ حريري أبيض، مفتوح الأزرار الثلاثة الأولى منه.

 

تقدّم بخطواتٍ واثقة ملؤها الكبرياء، وجلس على المقعد الرئيسي للطاولة، فذلك المقعد معروف بأنه له، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. ومن يجرؤ على الاقتراب من أي شيء يخص أحد أفراد عائلة “الجوكر”، يعلم جيدًا أنه يُغامر بحياته؛ فهذه العائلة معروفة بقوتها، وسلطتها، ونفوذها الممتد في جميع أنحاء العالم، ولا تعرف سوى لغة القتال.

 

وهذا ما يجعل الجميع يخاف الاقتراب منها. أما نيل، فهو الحفيد الثاني والوريث الشرعي لكبير تلك العائلة، والذي يُعرف بلقب (الجوكر) جلس ونظراته لا تفارق تلك الواقفة أمامه، ثم تبسم بغرور وهو يقول…

 

_شكل اللعبة هتحلو الليلة، شايف القمر منور القعدة.

 

التفت الجميع إلى تلك الفتاة، فالجميع يعرف أنها المقصودة، أما هي فلم يهتزّ لها طرف عين. نظرت إحدى الواقفات إلى نيل، والغيرة واضحة في نظراتها قبل نبرة صوتها:

 

_مافيش قمر منور القعدة غيرك يا نيل باشا.

 

تجاهلها نيل وهتف قائلاً:

 

_يلا بينا نبدأ، وزي كل ليلة أنا مختار العقرب.

 

نظر إليه أحد الجالسين متعجبًا من اختياره الذي لا يتغير:

 

_والله أنا أموت وأعرف إيه المميز في العقرب رغم إنك كل ليلة بتخسر!

 

تبسم بغرور وهو يجيب بنبرةٍ ساخرة:

 

_أصل بصراحة شخصية العقرب دي بتشبهني أوي.

 

نظرت إليه بكرهٍ شديد وهي تقول بنبرةٍ كارهة وابتسامة جانبية ساخرة تزين خدها اليسار:

 

_مش بس بيشبهك، ده دمه بيجري في دمك، وإنتم الاتنين حشرة سامة زي بعض.

 

ابتسم بغرور وهو يقول:

 

_ارمي الحجر يابني علشان نشوف العقرب هيسمم مين الليلة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

بينما كان هؤلاء يلهون في المحرمات، كانت فتاة لا تتجاوز العشرين من عمرها تقف أمام حوض مخصّص لغسل الأواني في مطبخ أحد المطاعم. ملامحها مرهقة، ودموع تتسلل بصمت على خديها الورديين. أمامها العديد من الأطباق تقوم بغسلها، شعرت بألم في أناملها. نظرت إلى أناملها الملتهبة ودموعها تزداد بحسرةً على حالها، فرفعتها إلى فمها ونفخت فيها لعله يزول ألمها ولو للحظة، ثم تقدمت بإرهاقٍ شديد وجلست على كرسي خشبي صغير كان بالقرب منها. نظرت إلى أناملها بحسرة وهي تتمتم بنبرة مفعمة بالحزن والحسرة:

 

_تعالي يا ماما، إنتِ وبابا شوفوا دلوعتكم شوق، حصل فيها إيه؟

 

رفعت رأسها إلى الأعلى، ودموعها تتساقط على ملابسها التي كانت عبارة عن ثوبٍ بسيط باللون الأسود، تعلوه مريلة بيضاء، وهي تكمل:

 

_أرجعولي… وحشتوني أوي. ياريت لو الزمن يرجع بيا علشان أرجع أشوفكم تاني.

 

مسحت دموعها بعنف، وتحولت نظراتها الحزينة إلى كرهٍ وإصرار واضحين في عينيها، وقالت:

 

_بس بوعدكم، هجيبلكم حقكم، بوعدكم مش هرتاح غير لما أدفعهم كلهم التمن غالي أوي واللي تاه هيرجع تاني. ده واعد من حبيبتكم شوق

 

هبط واقفةً بفزع عندما سمعت خطوات أحداً قادماً، فأسرعت لتكمل ما تبقّى من الأطباق متجاهلة ما تشعر به من ألم خوفًا أن تخسر عملها الذي يجلب لها مالاً حتي لو قليلًا، لكنه كافٍ لتأكل منه وجبة يومية، وتخزن الباقي لتدفع ثلاثَةَ آلاف من الجنيهات شهريًا للمصحة العقلية لتتعالج شقيقتها التي تكبرها بخمس سنوات. التفتت إلى ذلك الشخص الذي دخل حاملاً في يديه إناءً من الألمنيوم كبير الحجم. وضع الإناء أمامها على الحوض وجلس على المقعد وهو يلهث قائلاً:

 

_سيبي اللي في إيدك يا بنتي، واغسلي الحلة دي الأول بسرعة.

 

ناولته كأسًا من الماء وهي تقول بابتسامة لطيفة:

 

_حاضر يا عمو عبد الله، بس خد واشرب شوية ميّه. ترود روحك.

 

أخذ عبد الله، الرجل الخمسينيّ، الماء منها وهو يقول:

 

_إنتي معيطة تاني يا شوق يا بنتي؟

 

تبسمت بحسرة وهي تتقدّم لتغسل الإناء وتقول:

 

_تصدق يا عمو عبد الله، أنا نسيت إزاي أضحك. العياط ده ولا حاجة جنب اللي أنا فيه، وكتر خير نفسي إنها لسه واقفة ومستحملة معايا.

 

تنهد عبد الله بحزن على حالها وقال:

 

_الدنيا مش ثابتة يابنتي، يوم ليكي ويوم عليكي، وده حال الدنيا ولازم نرضى باللي يجيبه ربنا.

 

ضغطت بقوة على حافة الإناء دون وعيٍ منها، وهي تقول بنبرةٍ لا تبشر بالخير:

 

_وأنا مستحيل يرتاح ليا بال قبل ما انتقم منهم واحد واحد وأدفعهم كلهم… التمن غالي أوي.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

نعود إلى الملاهي، حيث الصخب واللهو، وحيث يجلس اللاعبون. رفع النادل الحجر عاليًا، وأنظار الجميع تتابعه بشغف ولهفة لمعرفة من سيكون سعيد الحظ الليلة. وفي لحظة، سقط النرد على الطاولة مُصدرًا بعض الطرقات الخفيفة، فنظر الجميع إلى الوجه الذي استقر عليه، ليهتف النادل بنبرةٍ متحمسة:

 

سعيد الحظ الليلة نيل باشا!

 

تبسم نيل بغرور وهو ينظر إليها بكل فخر وكبرياء، بينما هي ضاقت جفونها بنظرةٍ ساخطة. وما لبثت تلك النظرة أن تحولت إلى دهشةٍ وقلق عندما رأته يشير إليها بإصبعه قائلًا بنبرةٍ عدوانية:

 

اختياري نِيلي.

 

اتجهت أنظار الجميع نحو المدعوة “نيلي”، بينما رمقتها إحدى العاهرات بكرهٍ وغضبٍ شديد؛ فهي كانت الدائمة الاختيار والمفضلة لدى نيل، لكن منذ أن ظهرت نيلي أصبحت هي المختارة الوحيدة، والجميع من كبار رجال الأعمال يتنافسون عليها. وقفت نيلي شاردةً، ونظراتها معلّقة على نيل. استفاقت على صوت أحد اللاعبين يقول بنبرةٍ مترددة:

 

بس دي طلباتها غالية أوي يا نيل باشا.

 

ابتسم نيل بغرور وأجاب ببرود:

 

اللي مش قدّ اللعب ما يلعبش يا حازم بيه.

 

ثم نظر إليها وقال بنبرةٍ ساخرة:

 

شوفيك لبوك، عقربك بين إيديك.

 

نظرت إليه بحنق، ورفعت يدها على خصرها من الجانب الأيسر بحركةٍ تحمل الكبرياء والغرور، وقالت بشموخ:

 

مليون جنيه من كل واحد.

 

نظر الجميع إليها بصدمة، وهتف المدعو حازم بغضبٍ وقد نسي من الجالس أمامه:

 

مليون جنيه إيه؟! إنتي اتجننتي؟! أنا مستحيل أدفع المبلغ ده لعاهرة!

 

تحولت الأنظار إلى نيل الذي رمقه ببرودٍ ممزوج بالتهديد، وقال بنبرةٍ غامضة:

 

جوووورج.

 

التفت حازم إليه بخوف، وجبينه يتصبّب عرقًا، وقال بسرعة:

 

خلاص، هدفع.

 

أخرج دفتر شيكاته من جيب سترته، بحركة سريعة مترددة ووقّع بيدٍ مرتعشة على شيك بقيمة مليون جنيه. نظر نيل بحدةٍ إلى باقي اللاعبين الذين علت وجوههم تعبير التوتر والقلق، خوفًا من نيل، وكرهًا لفقدان مبلغٍ ضخم في لعبةٍ كهذه. أخرج الجميع دفاترهم على مضض، بينما وضع حازم الشيك على الطاولة، ثم وقف والغضب يعلو ملامحه وهو يقول:

 

عن إذنكم… ومبروك عليك الليلة يا نيل باشا.

 

استدار ليغادر، وتوقف أمام نيلي، ناظرًا إليها بنظراتٍ غامضة لم تستطع تفسيرها. لفت انتباه نيل، وهو يقترب منها وحاوط خصرها بذراعه، وقال بابتسامةٍ جذّابة:

 

يلا بينا، وما تقلقيش… الفلوس هتوصلك على حسابك، مش ناقصين جنيه.

 

لم يمنحها الفرصة للاعتراض، سحبها من خصرها وتوجّه بها نحو الخارج، وهو يعطي أوامره لجورج، مدير أعماله وحارسه الشخصي:

 

مش هوصّيك يا جورج على حازم بيه.

 

نظر جورج إلى سيده وقد فهم ما يقصده، بينما بدت على ملامح الجالسين نظرات الخوف والقلق، ولم يجرؤ أحدٌ منهم على قول كلمة واحدة