كتب: عاطف محمد
في أحد أيام الربيع وعندما حل المساء يحمل بين طياته نسيمًا عليلًا ينشر في المكان روائح زهور الربيع المتفتحة؛ بينما تصدر المشهد في أحد المطاعم رجل جلس منهمكا يفكر بكل عمق.
وبيده قلم وأمامه ورقة يخط بها، وقد لفت الرجل نظر الجميع لسببين؛ الأول ملابس الرجل الأنيقة المتناسقة والتي تنم عن ذوق رفيع.
والثاني رائحته العطرة التى فاحت في المكان، وهنا نظر جميع رواد المطعم له وكل رآه من وجهة نظره، وظن ما يفعله من وجهة نظره.
فقد رأت المرأة العجوز الرجل يكتب في ورقة؛ فظنت أنه يكتب رسالة عرفان وتقدير لأمه التى أحسنت تربيته.
فيشكرها في سطور رسالته ويخبرها بمدى امتنانه لها ويقول: لولا حبكِ ورعايتكِ ما كنت أنا ذلك الرجل العظيم؛ بينما ظنت الفتاة المراهقة التي جذبها عطر الرجل.
فظلت تتفرس في ملامحه؛ بينما داعبها عطره الجذاب، فظنت أنه يكتب رسالة حب حارة مليئة بكلمات الغزل وعبارات الشوق، وقد أكدت ملامحه الوسيمة ظنها.
وتمنت أن تكون هي من ترسل لها الرسالة وتكون صاحبة هذا الحظ الكبير؛ فتقرأ كلماتها آلاف المرات وهي تسمع موسيقى رومانسية هادئة.
بينما نظر له أحد الأطفال وقال في نفسه: إن هذا الرجل يرسم لوحة جميلة بالقلم؛ لوحة مثل التى رآها فى كراسة الرسم الكبيرة التي عرضتها عليهم المعلمة بالفصل.
وقد انبهر هو زملائه باللوحة التي لم يرى أجمل منها؛ بينما ترك التاجر الذي كان يتناول طعامه الملعقة جانبًا.
وتأمل الرجل وهمس بحماس في داخل نفسه: إن هذا الرجل من المؤكد أنه مقبل على صفقة العمر والتي سوف يكسب منها الكثير من المال.
إن ملامح وجهه تنم عن تدابير وحسابات معقدة سوف تؤدى لخير كثير له؛ بينما نظر له أحد الموظفين في المطعم.
لابد أن هذا الرجل يحصى ديونه التي تراكمت عليه نتيجه إسرافه في الاهتمام بمظهره من ملابس وروائح غالية، ثم قال في نفسه: كان لابد أن لا ينجرف هذا الرجل في طريق التباهي أكثر من ذلك.
ماذا سيفعل أمام تلك الديون المتراكمة عليه؟
ولكن المرأة التي كانت تجلس في المنضدة المجاورة لمحت شبح دموع فى عينيه؛ فايقنت أنه لا محالة يكتب رسالة اعتذار لمطلقته عن أنه طلقها دون ذنب جنته.
ويستحلفها أن تعود إليه، ويذكرها بالأيام الجميلة التي مرت بهما؛ بينما حاول الجرسون لمح أي شيء من الورقة وهو يضع كوب الماء وفنجان القهوة أمام الرجل.
ولكنه فشل؛ لأنه لو ركز في القراءة لحدث ما لا يحمد عقباه، ربما ينسكب أي شيء وربما يطرد من عمله؛ فآثر السلامة ولم يركز جيدًا.
ولكن المشهد قد شد انتباه مدرب الفريق الشهير، فقد شده اللون الأبيض لقميص الرجل والبنطال الأزرق والذى ذكره بلباس الفريق المنافس له وظن أن هذا الرجل محلل كروى يدون ملاحظاته عن فريق المدرب.
ويظهر مكمن القوة والضعف في فريقه وكيف يمكن التغلب عليه؟ ففكر أن ينقض على الرجل وينتزع الورقة ويعرف ما بها؛ ولكن تراجع.
حتى لا يصبح أضحوكة أمام الجميع؛ ولكن نظرات الرجل الذى كان يجلس في الركن البعيد رأى بنظراته المتفحصة.
والتي اكدت أنه عرف بخبرة السنين ماذا يفعل الرجل صاحب القميص الأبيض، والبنطال الأزرق، والساعة الفضية؟
إنه بالطبع شخصية لها قيمة مجتمعية وهو الآن يدون كلمات خطبة سوف يلقيها في اجتماع هام، ولكن ما حدث لم يكن في الحسبان وبعيد عن أى توقع.
فقد غامت شمس الهدوء عن المكان وتكهرب الجو بشدة، فقد قفز الرجل الذى نظر له الجميع على رجل آخر عندما رفع يده بأعلى، وأمسك به بقوة.
ولم يفلت يده الرجل وأخرج أساور حديدية، وألبسها إياه في اللحظة التى أطلق فيها رصاصة في الهواء جعلت الجميع يتوارى أسفل المناضد، ولم تمر.
إلا ثوان معدودة وملأت قوات الأمن الوطنى المكان، بالإضافة لقوات مكافحة الإرهاب ورجال المطافئ والإسعاف واحاطوا بالرجلين وهنا أصدر الرجل صاحب القميص الأزرق أمرًا بالقبض على الرجل.
وهنا اتضحت الصورة وعرف الجميع أن الرجل الذى كان يخط في الورقة صاحب القميص الأزرق ماهو؛ إلا رجل مخابرات.
وأنه كان يراقب الرجل الإرهابي ويتحين الفرصة للقبض عليه في اللحظة المناسبة قبل أن يفجر نفسه وسط المطعم بالحزام الناسف الذى كان يرتديه حول وسطه.
عرف الجميع أن شجاعة الرجل و رابطة جأشه قد انقذهم من موت محقق، فابتلع الجميع لعاب فمه حامدين الله على النجاة من موت محقق.
وانتهى المشهد بخروج القوات، وعاد الهدوء مرة أخرى، وانفك احتباس الهواء والذى ساد في اللحظات السابقة وعاد نسيم الأمن مرة أخرى.
وأسقط الهواء الورقة على الأرض فهرول جميع رواد المطعم بشغف؛ ليعرفوا ما في الورقة؟
ولكن كان بها مالم يكن فى الحسبان كان بالورقة علامة استفهام.
من المؤكد إنك وأنت تقرأ القصة قد خطر ببالك ظنون عدة، وأن ما قد خطر على بالك قد ذهب ادراج الرياح، وهذا معناه أن لا نظن ولا نفسر أي تصرف على هوانا.
أو من زاوية اهتمامنا، أو من وجهة نظرنا الخاصة؛ فما نظنه قد لا يكون صحيحًا؛ لأننا ننظر لكل التصرفات بعين طباعنا، وما نسلكه من سلوكيات.
ولذلك على كل إنسان أن يفعل كل ما هو قانع به، ولا يسلم اذنيه لأى كلام يقال أو أى نظرة توجه إليه، فلن يسلم أي إنسان على أى حال من ظن الناس.
قالوا: لا تُحسن الظن حد الغباء.. ولا تسيء الظن حد الوسوسة.. وليكن حسن ظنك: ثقة.. وسوء ظنك وقاية
محمد الرطيان
– عليم بأعقاب الأمور كأنه لمختلفات الظن يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه يفتح نورًا أو ينظم جوهرًا
ابن المعتز
وأخيرًا
ما أقرب ظن السوء في الآخرين، وما أغلبه على ظن الخير؛ فإذا وطنت نفسك على شيء اعتادت عليه، وإذا ظننت سوءًا في الآخرين فتذكر: أن بعض الظن إثم.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق