لِــــــسُهيلة أحمد عامر
كان اليوم عاديًا في حيّ “الحلم الجديد”، وهو حي شعبي مكتظ بالسكان في أطراف المدينة. الشمس بدأت بالمغيب، ورائحة الخبز الطازج تملأ الشوارع الضيقة بينما الأطفال يلعبون الكرة في الزقاق.
على الرصيف، كان يجلس رجل في منتصف الأربعينيات يُدعى “علي”. وجهه يحمل تجاعيد ليست فقط بسبب العمر، بل نتيجة حياة مليئة بالمعاناة والتحديات. يعمل علي كبائع كتب مستعملة، يضع كتبه على عربة قديمة ويدفعها كل يوم من الحي إلى السوق المركزي.
لم يكن علي دائمًا بائع كتب. في شبابه، كان طالبًا واعدًا في كلية الهندسة. حلم بأن يبني جسورًا تربط بين الناس والمدن. لكن الأقدار لم تكن رحيمة به. بعد وفاة والده المفاجئة، اضطر لترك الدراسة والعمل لإعالة والدته وأخوته الصغار.
في ذلك اليوم، وبينما كان ينظم كتبه على العربة، اقترب منه شاب صغير في مقتبل العشرينات. بدا عليه الفضول، ولكنه كان مترددًا في الحديث. بعد لحظة من التردد، قال:
“عمي، هل يمكن أن أشتري هذه الرواية؟” وأشار إلى كتاب مغبر يحمل عنوان “البؤساء”.
ابتسم علي وقال:
“بالطبع يا بني. إنها قصة ستغير حياتك. هل قرأت من قبل عن جان فالجان؟”
هزّ الشاب رأسه بالنفي. بدأ علي يسرد له القصة بحماس غريب وكأنه يحكي عن نفسه. تحدث عن النضال، عن الألم، وعن الأمل الذي لا ينطفئ. الشاب كان يستمع بتركيز وكأنه يقرأ الرواية بعينيه من كلام علي.
بعد انتهاء علي من السرد، قال الشاب:
“أريد أن أشتري الكتاب، ولكن ليس لدي المال الآن. هل يمكنني أن أدفع لاحقًا؟”
ابتسم علي وقال:
“خذ الكتاب، لا تقلق بشأن المال. لكن عدني أن تقرأه بصدق.”
مرت الأيام، ولم ير علي الشاب مرة أخرى. لكنه لم يندم. اعتاد أن يعطي الكتب لمن يراهم بحاجة لها أكثر من المال. بالنسبة له، كانت الكتب نافذته الصغيرة إلى عالم أفضل.
بعد سنوات، وبينما كان علي يجلس على الرصيف، اقترب منه رجل أنيق يرتدي بدلة فاخرة ويحمل حقيبة جلدية. نظر إلى علي وابتسم.
“هل تذكرني يا عمي؟ أنا الشاب الذي أعطيته رواية ‘البؤساء’ منذ سنوات.”
تفاجأ علي ولم يستطع الكلام. أكمل الرجل:
“ذلك الكتاب غيّر حياتي. جعلني أدرك أن الألم يمكن أن يكون بداية جديدة. الآن، أنا محامٍ وأعمل للدفاع عن حقوق المظلومين. وكل هذا بفضلك.”
ابتسم علي بعينين دامعتين وقال:
“لم أفعل شيئًا يا بني. الكتب هي التي تعلّمنا، وأنا مجرد عابر سبيل.”
في تلك اللحظة، أدرك علي أن حياته التي ظنها بلا جدوى كانت مليئة بالأثر. حتى لو كان تأثيره بسيطًا وغير ظاهر، فإنه كان بمثابة ظل يمنح الآخرين الراحة على رصيف الحياة.
لِــــــسُهيلة أحمد عامر .






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق