كتبت منال ربيعي
في عالمه الصامت، كانت وحدها الضوضاء الجميلة. جاءت كنسمة دافئة في شتاء عمره القاسي، كضوء خافت يتسلل عبر شقوق روحه المتعبة، فاستسلم لها بلا مقاومة.
في لحظات الجدية، كانت تتجسد أمامه، تتحدى واقعه القاسي بضحكتها الناعمة، تقترب منه بعنفوان العاشقة، ترتمي بين ذراعيه، تغمره بأنفاسها، تهمس له كلمات لا يسمعها سواه. كان يضيق بها صدره، يأمرها بالرحيل:
— “ليس الآن! ليس هنا!”
فترتجف شفتاها، تتسع عيناها بالدموع، ثم تتلاشى كطيف من نور. كان يخال نفسه قد تحرر، لكن سرعان ما يكتشف أن برد الوحدة أقسى من طيفها الذي يطارده.
في منزله، كان يمرر أصابعه بين زهراته المتفتحة، يستنشق عبيرها، فيتخيلها، بشرتها الحريرية، خدها الدافئ، شهقتها حين يلامسها. يتنهد، يذهب إلى فراشه مثقلاً بالشوق، يتمنى عودتها، يتمنى أن يلمسها ولو في الحلم.
وما إن يغمض عينيه حتى يشعر بها… أنفاسها الحارة تتراقص على شفتيه، جسدها يقترب، لكن حين يفتح عينيه، يجدها تمنحه ظهرها، غاضبة، متحفظة. يقترب منها، يحيط خصرها بذراعيه، يدفن وجهه في عنقها، يهمس برجاء:
— “لا تذهبي…”
تشعر بحرارته تذيب جمودها، تذوب بين أصابعه، تتحول إلى كتلة من العشق المتوهج، تئن بصمت، تعانقه حتى يتلاشى كل شيء، حتى يصبحا كيانًا واحدًا، روحًا واحدة.
وحين تبتعد قليلاً لينظر في عينيها، لا يرى سوى الضوء… الضوء الذي ينير عتمة روحه، يملؤها، يخلده في حب لا يفنى، عشق لا يموت.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى