طلبٌ لم يخرج
الكاتب هانى الميهى
الفصل الأول
هناك كلمات لا يصعب نطقها لأنها كبيرة، بل لأنها صادقة أكثر مما ينبغى.
كلمات قصيرة جدًا، لكنها تقف فى الحلق كأنها أحجار.
ليس لأنها معقدة، بل لأنها تفتح أبوابًا حاول الإنسان إغلاقها طويلًا.
ومن بين كل الكلمات التى يتعلمها المرء فى حياته، تظل هناك كلمة واحدة يتأخر كثيرون فى تعلمها:
الاحتياج.
ليس احتياجًا إلى المال، ولا إلى الوقت، ولا إلى الأشياء التى يمكن عدّها وحسابها.
بل ذلك الاحتياج الخفى الذى يجعل الإنسان يتمنى أن يجلس أمام شخص يفهم ما لا يستطيع شرحه.
أن يجد مساحة لا يضطر فيها إلى التظاهر بأنه بخير.
أن يتوقف قليلًا عن حمل نفسه.
لكن الغريب أن الذين يعرفون قيمة المساندة للآخرين، هم أنفسهم أكثر الناس صعوبة فى طلبها.
كأنهم منحوا الجميع حق التعب، ثم استثنوا أنفسهم من القائمة.
لا يحدث ذلك دفعة واحدة.
لا يستيقظ أحد صباحًا ليقرر أنه لن يطلب المساعدة أبدًا.
الأمر يبدأ صغيرًا جدًا.
أصغر مما ننتبه إليه.
يبدأ فى المرة الأولى التى يبتلع فيها الإنسان شكواه لأن هناك من هو أكثر انشغالًا.
وفى المرة الثانية التى يؤجل فيها حديثًا كان يحتاج إليه.
وفى المرة الثالثة التى يقنع فيها نفسه أن ما يشعر به لا يستحق أن يُقال.
ثم تتكرر الحكاية.
لا كحدث كبير.
بل كعادة هادئة.
حتى يصبح الصمت أسهل من الكلام.
ويصبح الاحتمال أسهل من الطلب.
ويصبح التعب أمرًا شخصيًا لا يحق لأحد الاقتراب منه.
ومع الوقت لا يعود الإنسان يخفى احتياجه عن الآخرين فقط.
بل يبدأ فى إخفائه عن نفسه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن ما نعترف به يمكن أن نجد له طريقًا.
أما ما ننكره، فإنه يبقى معنا.
يكبر بصمت.
ويغيّر أشياء كثيرة دون أن نلاحظ.
هناك أشخاص يبدون قادرين على عبور كل شىء.
يواصلون أعمالهم.
ينجزون ما عليهم.
يبتسمون فى الوقت المناسب.
ويردون على الأسئلة المعتادة بالإجابات المعتادة.
ولا شىء فى ملامحهم يلفت الانتباه.
لكن الحقيقة أن الإنسان لا يُقاس دائمًا بما يظهر منه.
أحيانًا تكون المعركة كلها فى الجزء الذى لا يراه أحد.
فى ذلك الحوار الصامت الذى يدور داخل القلب.
فى تلك الرغبة القديمة فى أن يقول:
“لم أعد أستطيع.”
ثم يعدل عنها فى اللحظة الأخيرة.
ليس خوفًا من الناس.
بل خوفًا من الصورة التى بناها عن نفسه.
صورة الشخص الذى يتحمل.
والذى يجد حلًا لكل أزمة.
والذى ينهض مهما حدث.
ومع مرور الوقت تتحول الصورة إلى عبء.
لأن صاحبها يصبح مطالبًا بالحفاظ عليها فى كل الظروف.
حتى حين يتعب.
حتى حين يضيق.
حتى حين يصبح فى حاجة إلى من يسنده.
يكتشف أنه لا يعرف كيف يفعل ذلك.
كأن الطريق الذى اعتاد أن يسير فيه نحو الآخرين لم يتعلم يومًا كيف يعود منه إلى نفسه.
وربما لهذا السبب تبدو بعض الطلبات مستحيلة.
ليس لأنها كبيرة.
بل لأنها تكشف شيئًا نحاول إخفاءه.
فالإنسان يستطيع أن يتحدث عن مشكلاته.
وأن يشرح ظروفه.
وأن يروى ما حدث له.
لكن الاعتراف بالاحتياج أمر مختلف.
لأنه يعنى أن يتخلى قليلًا عن درعه القديم.
وأن يسمح لأحد أن يرى الجزء الذى ظل يحرسه سنوات.
ولهذا يختار كثيرون طريقًا آخر.
طريق التحمل.
لا لأنه أفضل.
بل لأنه مألوف.
فالإنسان أحيانًا يفضل التعب الذى يعرفه على الراحة التى لا يعرفها.
ويفضل الوحدة التى اعتادها على القرب الذى يخيفه.
ويفضل الصمت لأن الكلمات أصبحت ثقيلة.
ثقيلة إلى درجة أن خروجها يشعره بأنه يفقد شيئًا من تماسكه.
لكن الحقيقة مختلفة.
فالإنسان لا يضعف حين يعترف بأنه متعب.
ولا يفقد قيمته حين يحتاج.
ولا يسقط حين يمد يده.
كل ما فى الأمر أنه يتذكر أنه إنسان.
وهذه الحقيقة البسيطة ينساها كثيرون وهم يحاولون أن يكونوا أقوياء طوال الوقت.
ولعل أكثر ما يرهق القلب ليس الألم نفسه.
بل الجهد المبذول لإخفائه.
ولعل أكثر ما يستنزف الروح ليس الحمل.
بل الإصرار على حمله وحدها.
كم من أشياء كان يمكن أن تصبح أخف لو خرجت فى وقتها؟
وكم من أحمال تضخمت فقط لأنها بقيت حبيسة الداخل؟
وكم من كلمات ظلت سنوات تبحث عن مخرج ولم تجده؟
ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى حلول.
وربما لا يحتاج إلى إجابات كاملة.
أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يتوقف عن إقناع نفسه بأنه قادر على كل شىء.
لأن القدرة المستمرة ليست قوة.
كما أن الصمت المستمر ليس صبرًا.
وكما أن الاعتماد على النفس فى كل شىء ليس دائمًا فضيلة.
هناك لحظة يصبح فيها التماسك المبالغ فيه نوعًا آخر من الإرهاق.
لحظة يكتشف فيها الإنسان أن ما كان يحميه بالأمس، صار يثقله اليوم.
وأن بعض الجدران التى بناها كى لا يتأذى…
حجبته أيضًا عن الأشياء التى كانت تستطيع أن تنقذه.
لهذا لم يكن أصعب ما فى الأمر تلك الكلمات التى لم تُقل.
بل السنوات التى مرت وهى تنتظر أن تُقال.
فالاحتياج الذى لا يجد طريقه إلى الخارج لا يختفى.
إنه فقط يغير مكانه داخل القلب.
ويظل هناك…
صامتًا.
ثقيلاً.
ينتظر.
حتى يتذكر صاحبه أخيرًا أن النجاة لا تعنى أن يحمل كل شىء وحده.
رسالة الفصل
ليست كل الأثقال التى يحملها الإنسان أوجاعًا أو خسارات.
بعضها مجرد احتياج قديم…
لم يجد الشجاعة الكافية ليخرج إلى النور.
تمهيد الفصل القادم
هناك كلمة صغيرة تبدو عادية جدًا.
نرددها كل يوم.
لكنها أحيانًا تكون أكبر كذبة يقولها الإنسان لنفسه قبل أن يقولها للآخرين:
بخير.






المزيد
ضيُّ التوبة بقلم الكــاتبــة:شـــاهينـــاز مــحــمــد “زهرة الليل”
كل هذه القوة تجعلني أختنق بقلم الكاتب هانى الميهى
ميثاقٌ غليظ بقلم الكاتبة إسراء حسن عبدالله