مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ضيُّ التوبة بقلم الكــاتبــة:شـــاهينـــاز مــحــمــد “زهرة الليل”

ضيُّ التوبة
الكــاتبــة:شـــاهينـــاز مــحــمــد “زهرة الليل”

ما أقسى أن يحمل المرء قلبًا أثقلته الذنوب، ثم يظن أن الرحمة لم تعد تعرف إليه طريقًا، فيمضي بين الناس مبتسمًا، بينما في داخله حزنٌ لا يراه أحد، وندمٌ يأكل ما بقي من سكينة روحه. يهرب من ذكرياته فلا تنساه، ويغلق أبواب الحديث عنها، لكنها تظل تطرق عليه ليله كلما خلا بنفسه، حتى إذا ظن أن المسافة قد طالت بينه وبين الله، وأنه أبعد من أن يُغفر له، جاءه النداء من فوق سبع سماوات: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، فيرتجف القلب قبل العين، لا لأن الآية جديدة عليه، بل لأنه يسمعها هذه المرة وكأنها نزلت لأجله وحده.
فيا لرحمة الله حين تسبق توبة عبده، ويا لعظيم لطفه حين ينادي المذنبين بلفظ العبودية قبل المغفرة، كأن الذنب لم يسلبهم شرف الانتساب إليه، وكأن أبواب السماء ما زالت مفتوحة تنتظر عودتهم. وما التوبة إلا لحظة صدقٍ ينهزم فيها الكبرياء، ويقف العبد بين يدي ربِّه مجردًا من كل شيء إلا انكساره، فيكتشف أن الدموع التي خجل منها كانت أول الطريق إلى النور، وأن السجدة التي ظنها صغيرة كانت أوسع من الدنيا بما فيها.
ولعل أجمل ما في التوبة أنها لا تعيدك إلى الله فحسب، بل تعيدك إلى نفسك التي أضعتها في زحام الغفلة، فتُبصر بعد عمى، وتطمئن بعد قلق، وتجد في قلبك حياةً لم تكن تعلم أنها ما زالت باقية. وكيف لا، والله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، فليست التوبة نجاةً من العقاب فحسب، بل طريقٌ إلى محبة الله، وأيُّ كرامةٍ أعظم من أن يتحول العبد من مثقلٍ بالخطايا إلى محبوبٍ عند مولاه؟
وما دام في الصدر نفسٌ يتردد، فلا يزال باب الرجوع مفتوحًا، وما دام القلب قادرًا على أن يقول: “يا رب”، فلا يزال الضياء ممكنًا. فربما كانت أجمل لحظةٍ في عمر الإنسان ليست يومَ حقق حلمًا، ولا يومَ نال ما أراد، بل يومَ عاد إلى الله بعدما ظن طويلًا أنه لا يستطيع العودة.