طريق الضوء إلى القلب
بقلم د. أمجد حسن الحاج
يمضي الرجل بثوبه الأزرق نحو بوابة يتلألأ عند أطرافها نور يشبه ميلاد يوم جديد، كأن خطواته تنسج صلة عميقة بين الأرض والسماء. لا شيء يثقل كاهله سوى صمتٍ يحمله منذ سنوات، صمتٍ يختزن أسئلة الروح حين تتوق إلى يقينٍ يبدّد غشاوة الطريق. تتكاثف أشعة الفجر حوله، فتضيء ملامحًا خفية لا يراها المارّون، لكنها تنعكس داخل قلبه كما لو أنها تعيد له ذاكرة كان يعتقد أنها انطفأت.
يتقدم نحو البوابة كمن يدرك أن الداخل إليها لا يعود كما خرج، فكل عتبة مضاءة تمنح المسافر لحظة مواجهة حقيقية مع ذاته. الهواء الدافئ الذي يمرّ بجانبه يذكّره بأن الرحلة ليست في المسافة، بل في التحوّل الذي يحدث حين يقرّر الإنسان أن يترك خلفه ما أثقل روحه، ويستقبل ما يوقظ الإيمان العميق بقدرة القلب على النهوض رغم انكسارات الأمس.
يعرف أن الخطوات التي تُقاس بنبض الداخل لا تحتاج إلى دليل، لأنها تسير وفق نورٍ يسطع عندما يتخفّف المرء من ضجيج الحياة، ويستمع لصوت خافت يرشده إلى حيث يزدهر الرجاء. فالطريق الذي يفتح بواباته للباحثين عن الطمأنينة لا يعرض زينة، ولا يقدّم وعودًا فارغة، بل يمنح تجربة تهذّب الوعي وتعيد ترتيب الفوضى التي خلفتها القسوة والتعب.
يمشي بثبات لا يراه أحد، لأن الثبات الحقيقي لا يظهر في الجسد، بل في الخطوة التي لا ترتجف، وفي القلب الذي يتجه نحو المكان الذي يشعر فيه أن الحقيقة تنتظره. ومع كل اقتراب من الضوء، يزداد يقينه بأن الإنسان حين يلمح بوابة تُشرق من داخلها رحمةٌ واسعة، يدرك أنّ الدخول إليها ليس عبورًا مكانيًا، بل عبور نحو مستوى أصفى من الإدراك.
وحين يقترب أكثر، يشعر أن ظلاله القديمة تنفصل عنه بهدوء، كأنها تفهم أن مقامًا جديدًا لا يسمح لأعباء الأمس بأن ترافقه. يلامس وهج الفجر أطراف عباءته، فتنساب داخله سكينة تشبه وعدًا لا يُسمع، لكن أثره يملأ صدره امتدادًا يدفعه لإكمال السير دون تردد.
هكذا يواصل رحلته، لا بحثًا عن نهاية، بل رغبة في بلوغ بداية تقوده إلى صفاء يمنح أيامه معنى جديدًا. يخطو نحو الضوء، ويدرك أن الطريق الذي يبدأ بالخشوع لا يمكن أن ينتهي إلا بالطمأنينة.






المزيد
بين الضجيج والصمت بقلم الكاتب هانى الميهى
مش مهم بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
فُردوس الأندَلُس. بقلم محمد طاهر سيَّار الخميسي.