انحناءة الروح أمام اتساع السؤال
بقلم د. أمجد حسن الحاج
تحت سماء تمطر هدوءًا يشبه اعترافًا متأخرًا، يجلس الرجل فوق حافة مجهولة، يتأمل ظلاله التي تتساقط مع قطرات الليل كأنها أجزاء من ذاكرته القديمة. لا يهرب من شيء، ولا يقترب من شيء، بل يترك عقله يعيد ترتيب معاني الأيام التي عبرت دون أن تمنحه فرصة لفهم ما يحدث داخله. الطبيعة حوله صامتة، لكنها تمنحه موسيقى لا تُسمع إلا حين تصغي القلوب المتعبة لحفيف المطر وهو ينحت على الأرض قصصًا لا تنتهي.
تشبه لحظته تلك المسافة بين بداية الوعي ونهايته؛ مساحة يطفو فيها الإنسان فوق أفكاره، يختبر هشاشته، ويتأمل ملامح الطريق الذي سار عليه دون أن يسأل نفسه: هل كانت الخطوة الأولى نابعة من رغبةٍ ناضجة أم من اندفاعٍ خافت؟ ومع ذلك، يظل المطر شاهدًا على رحلة لا تحتاج إلى ضوء؛ رحلة يكتشف فيها الإنسان أنّ الصمت أحيانًا أصدق من كل الكلمات التي لم يجرؤ على قولها.
يميل بجسده إلى الأمام، كأنه يحاول استنطاق الغيم، ويسمع داخله صوتًا يحثّه على النهوض، لكن قدميه ما تزالان معلّقتين بين قرارين. ليس خوفًا من السقوط، وإنما احترامًا لتلك اللحظة التي يتعرّى فيها الضعف أمام قوة التأمل. فالروح حين تتثبّت فوق كتف العالم تدرك أن الإنسان مهما بدا ثابتًا، يبقى محمولًا على رغباتٍ تتغيّر مع كل قطرة تهبط من السماء.
الظلال التي تحيط به لا تمثل ظلامًا، بل امتدادًا لأسئلةٍ ترافقه منذ فجر أحلامه الأولى. يسأل نفسه عن معنى الطريق حين يفقد المسافر نور الطمأنينة، وعن جدوى الانتظار حين يتأخر الفجر عن نافذة تحلم بدفء الشمس. ومع ذلك، يبتسم داخله ابتسامة صغيرة، لأنه يعرف أن كل انحناءة أمام الحياة تسبق دائمًا قيامًا أقوى.
في تلك اللحظة، يدرك أنّ الإنسان لا يحتاج إلى جبلٍ ليصعده كي يجد ذاته، بل يحتاج إلى هدنةٍ صادقة مع قلبه، وإلى اعتراف يحرّره من ثقلٍ لا يُرى. المطر يواصل عزفه فوق كتفيه، والريح تمرّ كأنها تمسح الغبار عن روحه، أما الأفق فيزداد اتساعًا، كأنه يفتح له بابًا يقود إلى بدايةٍ أنضج.
يقف أخيرًا، ينفض عن ثوبه أثر الانكسار، ويتقدم نحو طريقٍ لا يعرف نهايته، لكنه يشعر أنّ خطواته هذه المرة تحمل معنى جديدًا. معنى لا يولد من صراع، بل من فهمٍ عميق أن الحياة تُمنح لمن يجد الشجاعة ليواجه ذاته قبل أن يواجه العالم.






المزيد
بين الكتمان والطمأنينة بقلم ابن الصعيد الهواري
بين الخوف والتعوّد… يولد الاتزان بقلم ابن الصعيد الهواري
حين تتكئ النفس على نفسها… وتكتشف وجوه الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري