ك / صافيناز عمر
“ضاعَ حلمًا يساوي عُمري ”
هناك وجع لا يشبه أي وجع آخر، وجع لا يأتي من خسارة شيء عابر، بل من فقدان حلم عشت من أجله سنوات، حلم تمنيت أن أراه حقيقة، وانتظرت لحظة وصولي إليه بفارغ الصبر. حلم تعبت من أجله، وسعيت إليه بكل ما أملك، وتحملت الكثير حتى أصل إلى اللحظة التي كنت أظن أنها ستكون أجمل لحظات عمري. لكنني لم أكن أعلم أن حلمًا ظللت أركض خلفه كل هذه السنوات يمكن أن يُخطف مني في لحظة، بسبب كلمات قليلة، كلمات ربما قيلت بسهولة من أصحابها، لكنها هدمت بداخلي شيئًا استغرق مني سنوات طويلة حتى أبنيه.
أنا اليوم لا أبكي على مجرد حلم ضاع، أنا أبكي على كل ما بذلته من أجله. أبكي على الأيام التي تحملت فيها، وعلى المرات التي أخبرت فيها نفسي أن كل هذا التعب سيهون عندما أصل. أبكي على كل مرة تخيلت فيها نفسي وأنا أحقق ما تمنيت، وكل مرة رسمت فيها في خيالي تفاصيل تلك اللحظة، وصدقت أنني في النهاية سأصل إلى المكان الذي طالما تمنيت أن أكون فيه. كنت أرى الحلم أمام عيني، وكأنه أصبح قريبًا جدًا مني، حتى جاء وقت لم أتوقعه، وسقط كل شيء فجأة، وكأن السنوات التي قضيتها وأنا أسعى لم تكن لها قيمة.
أكثر ما يؤلمني أنني لم أخسر الحلم لأنني لم أستطع الوصول إليه، بل شعرت وكأنه انتُزع مني بعد أن اقتربت منه، وكأن أحدهم أغلق الباب في وجهي بعدما وقفت طويلًا أمامه أنتظر أن يُفتح. كنت مستعدة أن أدفع الكثير من عمري وراحتي حتى أصل إليه، ولم أكن أطلب المستحيل، كنت فقط أريد أن أرى ثمرة تعبي، أن أشعر ولو لمرة واحدة أن كل ما مررت به لم يذهب هباءً. لكنني الآن أقف أمام كل شيء مكسورة، أحاول أن أفهم كيف يمكن لكلمات قليلة أن تهدم حلمًا حملته في قلبي كل هذه السنوات.
أنا موجوعة لأنني كنت أؤمن بهذا الحلم أكثر مما ينبغي. كنت أراه جزءًا مني، جزءًا من مستقبلي، ومن الصورة التي رسمتها لحياتي. كنت أفرح بمجرد التفكير فيه، وأتحمل من أجله أشياء لم يكن من السهل تحملها. كنت أقول لنفسي دائمًا: اصبري، ستصلين يومًا، وسيصبح كل هذا التعب مجرد ذكرى. لكنني لم أصل. انتهى الطريق قبل أن أصل إلى نهايته، وضاع مني الشيء الذي كنت أظن أنه ينتظرني في آخر الطريق.
وأشعر بخذلان كبير، خذلان يملأ قلبي حتى أصبحت لا أعرف كيف أخرج منه. خذلان من أشخاص، ومن ظروف، ومن نفسي أحيانًا؛ لأنني صدقت أن الأمور ستسير كما تمنيت. خذلان لأنني أعطيت هذا الحلم من قلبي ووقتي وتفكيري، وفي النهاية لم أحصل حتى على فرصة عادلة لأتمسك به. أشعر وكأنني كنت أركض بكل قوتي نحو شيء، بينما لم يكن أحد يرى كم كنت أتعب وأنا أركض، وكم مرة سقطت ثم وقفت من جديد، وكم مرة أخفيت خوفي وقلت لنفسي إنني سأكمل مهما حدث.
ما يقتلني حقًا ليس أن الحلم انتهى فقط، بل أنني لا أستطيع أن أعود إلى البداية. لا أستطيع أن أرجع السنوات التي مرت، ولا التعب الذي بذلته، ولا الانتظار الطويل، ولا المشاعر التي عشتها وأنا أعتقد أنني في يوم من الأيام سأحقق ما تمنيت. هناك أشياء عندما تضيع لا يمكن تعويضها بسهولة، ليس لأنها مستحيلة، ولكن لأن القلب يكون قد تعلق بها لدرجة تجعل أي بديل يبدو ناقصًا، مهما كان جميلًا.
أنا لا أريد من أحد أن يقول لي: «ربما كان هذا خيرًا لك»، لأنني الآن لا أستطيع أن أرى الخير وسط كل هذا الوجع. ربما يكون هناك خير لا أعرفه، وربما يأتي يوم أفهم فيه لماذا حدث كل هذا، لكن اليوم أنا فقط إنسانة مكسورة تحاول أن تستوعب أن شيئًا حلمت به طويلًا لم يعد موجودًا في حياتها كما كانت تتمنى. أحتاج فقط أن أسمح لنفسي بالحزن، أن أبكي دون أن يطلب مني أحد أن أكون قوية، وأن أعترف بأنني تعبت، وأنني موجوعة، وأنني أشعر أن جزءًا كبيرًا مني قد انطفأ.
لقد كنت أريد هذا الحلم بشدة، ليس لأنني أردت أن أثبت شيئًا لأحد، ولكن لأن قلبي تعلق به. كنت أريده لأنني تعبت في سبيله، ولأنني رأيت نفسي فيه، ولأنني عشت سنوات وأنا أؤمن أن نهايتي ستكون مختلفة، وأن كل ما مررت به سيقودني إلى لحظة أقول فيها: «أخيرًا، وصلت». لكن بدلًا من كلمة «وصلت»، وجدت نفسي أقول: «انتهى».
ومع ذلك، ربما سيأتي يوم أستطيع فيه أن أنظر إلى كل هذا الألم دون أن أنهار. ربما سيأتي يوم أفهم فيه أن ضياع حلم لا يعني ضياع حياتي كلها، وأن الإنسان يمكن أن ينكسر ثم يجد طريقة أخرى ليقف. لكنني الآن لا أملك إلا أن أحزن على ما فقدت، وأن أحتضن نفسي وسط هذا الخذلان، وأعترف أنني كنت أتمنى، أكثر من أي شيء، ألا تنتهي قصتي مع هذا الحلم بهذه الطريقة.
لقد كنت أستحق لحظة واحدة أشعر فيها أن تعبي لم يذهب سدى. كنت أستحق أن أصل، أو على الأقل أن أودع حلمي دون أن أشعر أنه خُطف مني فجأة. ولذلك نعم، أنا موجوعة، ومكسورة، ومخذولة، وربما لن أستطيع تجاوز الأمر بسرعة. لكنني رغم كل هذا الألم، سأحاول يومًا ما أن أجمع الأجزاء التي تكسرت بداخلي، لا لأن ما حدث لم يعد يؤلمني، بل لأنني لا أريد لحلم ضاع مني أن يأخذ معه بقية أحلامي.
سأحزن عليه بقدر ما أحببته، وسأبكي بقدر ما تعبت من أجله، ثم سأحاول أن أتعلم كيف أعيش بعده. ربما لن يكون الأمر سهلًا، وربما سيبقى في قلبي مكان يحمل اسمه إلى الأبد، لكنني سأؤمن أنني، حتى لو خسرت حلمًا من أحلامي، لم أخسر قدرتي على الحلم. وسيأتي يوم، مهما طال، أستطيع فيه أن أبتسم من جديد، لا لأنني نسيت ما حدث، بل لأنني نجوت منه.






المزيد
أنت لا تحتاج دائمًا إلى المزيد بقلم الكاتب هانى الميهى
متى آخر مرة ضحكت ؟ بقلم عبدالرحمن غريب
خلف ستار الصمت بقلم إبن الصعيد الهواري