شعوري بذنب الادب “
ك / صافيناز عمر
لو كان لي أن أمدّ يدي إلى ماضيّ، وأعيد تشكيل خيطٍ واحدٍ في نسيج حياتي، لوقفتُ طويلًا عند تربيتي لا لأنني أكرهها، بل لأنني أشبهها أكثر مما ينبغي في زمنٍ لا يشبهها أبدًا.
لقد نُقِشت روحي على مهل، على يد قلوبٍ علّمتني أن الاحترام ليس اختيارًا، بل هو هيئة الروح، وأن الكلمة الطيبة كضوءٍ صغيرٍ يكفي ليهزم عتمة يومٍ كامل، وأن الودّ لا يُقال بل يُعاش. تربّيتُ على أن أكون ليّنةً دون انكسار، صادقةً دون قسوة، وبسيطةً دون تصنّع لكنني حين خرجتُ إلى هذا العالم، شعرتُ وكأنني أحمل لغةً لا يفهمها أحد.
في هذا الزمن، صار الأدب يُساء فهمه، وكأن اللطف ترفٌ لا يليق، أو ضعفٌ يُستباح. صارت الابتسامة تُفسَّر بغير معناها، والنية البيضاء تُلطَّخ بظنونٍ داكنة، والاهتمام يُقابل ببرودٍ لا يرحم. كأنني أسير بين وجوهٍ تحفظ ملامحي ولا تفهمني، وبين قلوبٍ تقرأني قراءةً خاطئة، فتُعيد كتابتي كما تشاء.
كم مرّةً كتمتُ دهشتي وأنا أرى الجميل يُقابل بالجفاء، والصادق يُتهم، والوفيّ يُنسى! وكم مرةً تمنّيت لو أنني أقل شفافية، أقل وضوحًا، أقل صدقًا… لا لأكون سيئة، بل لأكون محمية.
لو خُيّرت، ربما ما كنتُ سأغيّر جوهر تلك التربية، فهي الشيء الوحيد الذي يجعلني أنام بسلام، لكنني كنت سأضيف إليها دروسًا لم تُقال: أن ليس كل قلبٍ يستحق هذا النقاء، وأن الودّ حين يُهدَر يتحوّل وجعًا، وأن الاحترام لا يعني أن أسمح لأحدٍ أن يتجاوزني. كنت سأتعلم أن أضع بيني وبين العالم مسافةً تحفظ لي ما بقي مني.
فالخلل لم يكن يومًا في تلك التربية التي أنبتت في داخلي كل هذا النور بل في زمنٍ اعتاد العتمة، حتى صار الضوء فيه غريبًا.






المزيد
رسالة إلى طبيبي بقلم علياء حسن العشري
رماد الإنتقام الكاتبة إسراء حسن عبدالله
تراتيل النزيف الأخير بقلم فلاح كريم العراقي