كتبت منال ربيعي
. كنت أركض بين أشجار السنديان كغزالة شاردة، وعيوني مكتحلة بالحب، تتبعني نظرات راما كأنها ظلال صمتي، يراقب عزالي وأنا أقبل الورود وأرقص، كأنني خُلقت من ضلع الطبيعة، بريّة في جمالي، فطرية في روحي.
صوتي كان يحاكي أهازيج الغابات، ويشبه صدى الجمال حين ينشد، وهل للجمال وجه؟ نعم… إنه أنا، سيتا. كنت نضرة، غضّة، يكتمل بي الجمال، فأنا أنثى مباركة، نبتت كوردة في غابات الحياة، وكان قلب راما يرقص لوجودي، يخفق بلا حدود، كأن طبول الأرض كلها تخفق معه حبًا لي.
كان يعانقني بعينيه، يراقبني بكل جوارحه، عيناه لا تفارق ملامحي، كأنما خُلقتا فقط لرؤيتي. لا يعرفان عملًا سوى النظر إلي. حين وقعت عيناي على غزال ذهبي في الغابة، توسلت إليه أن يحضره لي، وكان راما أسرع من توسلي… انطلق كالسهم، يسبق رمحه، ليجلب لي هديتي.
تركني مع لاكشمان ليحرسني، ولكن الوقت مرّ سريعًا، ولم يعد راما. بدأ الفراق يأكل قلبي، وعقلي يرتجف. توسلت إلى لاكشمان أن يتبعه، ركعت، ابتهلت للآلهة أن تعيده إليّ. ما من هدية في الحياة تعدل وجوده إلى جواري.
طرق باب الكوخ ناسك زاهد، طلب طعامًا يعينه على رحلته. وما إن لمس كفي بتوسل خادع، حتى أظلمت الدنيا حولي، وفاحت رائحة الشر… إنه رافانا، المخادع. قاومته بكل ما بقي لي من قوة، كانت عيناي الناريتان جدارًا بيني وبينه. قاومت حتى نحلت، حتى برزت عظامي، وأنا أنتظر مجيء راما لينقذني.
وجاء أخيرًا… في مشهد يشبه الحلم، يمتطي ظهر هانومان، فقطع رأس رافانا بضربة واحدة. اقتربت منه، طوقته كأنما هو قشتي الأخيرة في بحر الخوف المتلاطم، لكن نظرته لم تكن كالسابق… لم تكن حبًا. كانت نار شك تأكلني بعينيه.
حملني خلفه، وبيننا صمت طويل، تشوبه ريح من الشك. أضاءت المدينة احتفالًا بعودتي، لكن قلبي أظلم… فراما الذي أنقذني، لم يعد يراني كما كنت. رمقني بنظرة مترددة، كأنني دنس، لا وردة بريئة.
رمى بشعلة نحو الأرض، وكان عليّ أن أخطو فوق النار، لأُطهّر من ذنبٍ لم أرتكبه. لم تكن نار الأرض كلها لتعادل ما اشتعل بداخلي من خزي وحزن. أنا المتهمة، إلى الأبد. مطالبة بتبرير ما لم يحدث، بإثبات عفّتي أمام عينين عرفتا حبي، ثم أنكرتاه.
لكنني لم أخنه يومًا، لم يخطر ببال روحي أن تهوى سواه. عانقت قدماي أزهار اللوتس، لتشهد الطبيعة على عفّتي، ويطمئن قلبه… لكنني، أنا سيتا، لم أعد كما كنت.
قلبي كُسر، للأبد.






المزيد
إيناس وويثرب (قصة قصيرة للأطفال)
وجوه لا تُرى (قصة قصيرة)
وجع مرئى :بقلم :سعاد الصادق