مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سلم الندوب

كتبت: إيمان عتمان

في كنف ذلك الفناء حدث الكثير من الأمور الغامضة، فتاة في الثامنة عشر من عمرها، وحيدة في منزل كبير، فلا شيء قادر أن يمسح عن ملامحها تعاسة الماضي إلا أحلامها.

 

وسط هذا المنزل الكبير لم يبقىٰ لها سوىٰ وحدتها والقليل من الآمال التي تُريد التشبث بها بِكل قوتها لِتنال ما تتمناه، تقف وسط هذا الكم الهائل من العَبث الذي يسكن مُخيلتها، تأخذ نَفس عميق مُتحديةً نفسها وآلامها وهذه التعاسة التي تظهر داخل انكسار نظرتها تُريد أن تظفر ولو لمرة واحدة وتهزم هذه الحياة، تُريد تحقيق أحلامها ونَيل الباقي لها من بين ثنايا الدنيا بِكل قوة.

 

تُريد الفرار؛ لأبعد مدىٰ عن الماضي، حيث لا تتذكر منه سوىٰ حفنة الحنان التي كانت تتلقاها من والدتها، والبعض من الضحكات التي زينت ثغرها في وقت من الأوقات، تُريد أن تبني حياةً تمنتها منذ صِغرها، وتمنت أن تحيا بها منذ أن رأت الحياة؛ لكن الدنيا كان لها رأيًا آخر، فأصبحت التعاسة عنوانً لها؛ لذلك تريد أُمنياتها أن تتحقق وتحيّا بها في ريعان شبابها.

 

رغم كل ما مرت بهِ، ورغم كل مَنْ جعلها تتقيئ الألم أضعافً وبكاها ليلًا ونهارً إلّا أنها جعلت من آلامها وصفعات الدنيا لها دافع كبير؛ لِتحقيق أحلامها، جعلت من آلامها آمالاً جديدة تُساعدها علىٰ السير والتخطي والنجاح، رغم كل ذلك هي بقت وحيدة، سلكت دروب الدنيا وحدها، تعثرت وسقطت ثم اتكأت علىٰ نفسها ونهضت من جديد، كل ذلك في سبيل ما تتمنىٰ وتُريد.

 

رغم كل ما حدث في كنف هذا الفناء إلّا أنها مازالت فتاة نقية، بريئة، وأيضًا طموحة لم تتلوث بِقذارة الخُبث، ولم تقتلها الآثام التي ترتكتها لها طفولتها وعائلتها، طمحت أن تقتل ماضيها وتُعيد ترتيب حاضرها؛ لِتكوِّن مُستقبل مُشرق كما حلمت وتمنت.

 

أصبحت فتاة الثامنة عشر مثالاً رائعًا للجميع، حملت داخل جوفها ما آذاها وبعثر الندوب داخلها؛ لدرجة اعتزال الجميع، لكنها لم تُظهر هذا يومًا وجعلت من هذه الندوب سلم صعدت عليه خطوة بخطوة حتىٰ وصلت لِلقمة، القمة التي تحوي أحلامها، لحظات بُكاءها، تعثراتها التي جعلت منها إنسانة يحترمها الجميع، الآن هي بالقمة عليك أن تتعلم منها كيف ومتىٰ تُكسر وتُهدم؟ وكيف ومتىٰ تقف علىٰ قدميك من جديد؟ لِتحارب نفسك أولاً ثم مَنْ حولك.