ثمن النجاة
الأشياء التي خسرناها كي نستمر
الكاتب هانى الميهى
الفصل الرابع
عندما يصبح الصمت وسيلة للبقاء
لا يبدأ الإنسان حياته صامتًا.
بل يولد محملًا بالرغبة في التعبير. يبكي حين يتألم، ويضحك حين يفرح، ويقول ما يشعر به دون حسابات معقدة. لكن مع مرور السنوات، يتعلم شيئًا فشيئًا أن التعبير ليس دائمًا آمنًا كما كان يظن.
يتعلم أن بعض الكلمات قد تُساء فهمها. وأن بعض المشاعر قد تُقابل بالسخرية. وأن بعض الأوجاع لا تجد من يصغي إليها كما ينبغي.
ومن هنا يبدأ التغيير.
ليس دفعة واحدة، بل تدريجيًا.
في البداية يكتم الإنسان موقفًا صغيرًا. ثم يؤجل حديثًا كان يريد أن يقوله. ثم يبتلع غضبًا حتى لا يخسر أحدًا. ثم يخفي حزنًا حتى لا يبدو ضعيفًا. ثم يعتاد الأمر.
ومع الوقت، يصبح الصمت جزءًا من شخصيته.
لا لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه تعب من الشرح.
كم من شخص جلس وسط الناس مبتسمًا بينما كان يحمل داخله ما يكفي من الحزن ليغرق مدينة كاملة؟ وكم من إنسان قال: “لا بأس”، فقط لأنه لم يجد فائدة من شرح ما يحدث في داخله؟
الحياة تعلم بعض الناس الكلام.
لكنها تعلم آخرين الصمت.
وللأسف، غالبًا ما يتعلمه الطيبون أكثر من غيرهم.
يتعلمونه لأنهم لا يريدون إزعاج الآخرين بمشكلاتهم. لأنهم يخشون أن يُساء فهمهم. لأنهم اعتادوا أن يكونوا السند لا من يحتاج إلى سند.
وهكذا يتحول الصمت من اختيار مؤقت إلى وسيلة للبقاء.
لكن المشكلة أن المشاعر لا تختفي لأنها لم تُقل.
الحزن لا يرحل لأنه أُخفي.
والغضب لا يموت لأنه تم تجاهله.
كل ما في الأمر أنه ينتقل إلى الداخل.
ويبقى هناك.
يتراكم بهدوء، مثل قطرات الماء التي تسقط على صخرة واحدة لسنوات طويلة حتى تترك أثرها.
ولهذا يشعر بعض الناس بالتعب دون سبب واضح. ليس لأن يومهم كان شاقًا، بل لأنهم يحملون في داخلهم أحاديث مؤجلة منذ سنوات.
يحملون اعتذارات لم يسمعوها.
وكلمات لم يقولوها.
ومشاعر لم يسمحوا لها بالخروج.
وأوجاعًا أقنعوا أنفسهم أنها انتهت بينما هي ما زالت حية في مكان ما داخلهم.
المفارقة أن الناس غالبًا ما تمدح هؤلاء.
تقول عنهم إنهم أقوياء.
وهادئون.
ومتماسكون.
ولا يعلم أحد أن جزءًا كبيرًا من هذا التماسك لم يكن قوة، بل ضرورة.
ضرورة فرضتها الظروف.
ضرورة جعلتهم يختارون الصمت لأنهم لم يجدوا خيارًا آخر.
وهذا أحد أثمان النجاة التي لا ينتبه إليها الكثيرون.
أن ينجو الإنسان من العاصفة، لكنه يخرج منها أقل قدرة على التعبير. أقل قدرة على البوح. وأكثر ميلًا للاحتفاظ بكل شيء بداخله.
ومع الوقت، ينسى حتى كيف يتحدث عن نفسه.
يصبح بارعًا في السؤال عن الآخرين، بينما يعجز عن الإجابة حين يسأله أحدهم: “كيف حالك حقًا؟”
وربما كانت الحكمة ليست في أن نقول كل شيء.
ولا في أن نكشف ما بداخلنا لكل من حولنا.
لكن الحكمة أيضًا ليست في أن ندفن أنفسنا أحياء تحت ركام الصمت.
فالروح مثل الأرض.
إذا لم تجد متنفسًا لما بداخلها، تثقل شيئًا فشيئًا حتى يصبح الحمل أكبر من طاقتها.
لذلك لا تخجل من مشاعرك.
ولا من ضعفك الإنساني.
ولا من حاجتك أحيانًا إلى أن تتحدث.
فالقوة الحقيقية ليست أن تتحمل كل شيء وحدك.
بل أن تعرف متى تحمل، ومتى تضع ما تحمله جانبًا قبل أن يسحقك ثقله.
لأن النجاة لا تعني أن تصمت دائمًا.
أحيانًا تكون النجاة الحقيقية…
أن تجد أخيرًا صوتك الذي فقدته في الطريق.
رسالة الفصل:
بعض الناس لم يصبحوا صامتين لأنهم لا يشعرون، بل لأن الحياة علمتهم أن يخفوا ما يشعرون به كي يستطيعوا الاستمرار.
تمهيد الفصل القادم:
لكن الصمت لم يكن الشيء الوحيد الذي تعلمناه من المعارك الطويلة…
فبعضنا خرج منها أكثر صلابة، لا لأنه أراد ذلك، بل لأنه لم يجد خيارًا آخر.
الفصل الخامس
الذين تعلموا القوة بالطريقة الصعبة






المزيد
كنز لا يفنى بقلم اسراء حسن
مقامُ الغياب بقلم فلاح كريم العراقي
في ذكري اخي بقلم محمود عبدالله