مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سر الصبر: بقلم :سعاد الصادق

سر الصبر:
بقلم :سعاد الصادق

 

الحياة لا تهب عظمتها إلا لمن يصبر ويكافح، ولا تبوح بأسرار قوتها إلا لمن عرف معنى العزيمة والإيمان…..

في زوايا الريف البسيط، تنسج قصص من نور، أبطالها أمهات حملن على عاتقهن رسالة التضحية، ليصنعن من قسوة الأيام ربيعًا مزهرًا. ومن بين هذه النماذج المضيئة، تبرز قصة الأم “آمنة” التي سطرت حكاية كفاح استثنائية.

مع أول خيط للفجر، كان صوت الأذان يعلو في الأفق، يوقظ الحياة من سباتها، فتغرد الطيور، وتصيح الديكة، ويهدر هديل الحمام كأن الكون يعزف لحنًا سماويًا.
في ذلك الصباح، شدّت آمنة حبلًا من ليف النخيل على خصرها لتقوّي ظهرها، ثم أمسكت بالفأس والمقطف والمنجل، وحملت جرة ماء وبعض الخبز. لم يكن حملها ثقيلًا بقدر ما كان قلبها مثقلاً بالمسؤولية؛ ثلاث أرواح صغيرة تنتظرها بعد رحيل الأب المبكر.

كانت تتمتم وهي تسير نحو الحقل:
“يا رب، أعنّي، قوّني، فأنت المعين.”

في الحقل، عملت بيدين متعبتين، لكنها مملوءتين إصرارًا. جمعت الخضار، وقطفت الحشائش للماشية، ثم وضعت كل ما جنته في سلتها، تحمله فوق رأسها وتعود أدراجها تحت شمس الظهيرة. وفي البيت، تعد الطعام لأبنائها بوجهٍ مشرق بالرضا، مؤمنة أن الصبر مفتاح الفرج.

كبر الأولاد قليلًا، وأصبحوا يرافقونها في أيام العطلة. كانوا يرون أمهم تكافح في الأرض، فيتعلمون منها دروس الصبر والكفاح أكثر مما يتعلمون من كتب المدرسة. وفي السوق، كانت آمنة تبيع ما جنت يداها لتشتري بما تكسبه ما يسدّ حاجتهم، وتدفع مصاريف دراستهم.

مرت الأعوام ثقيلة لكنها مثمرة، عشرون عامًا من العرق والكفاح، لم تضع هباءً. فقد وقفت آمنة في نهاية المطاف ترى ثمرة جهدها: ابنها الأكبر طبيب، والثاني ضابط، والثالث مهندس زراعي. ثلاثة رجال يحيطون بها حبًا وتقديرًا، يرفعون رأسهم بها كما لو كانت نجمًا يضيء سماء حياتهم.
ابتسمت آمنة، وعرفت أن الله لم يخذلها أبدًا.
فقد منحتها الحياة أكبر جائزة… أبناء يخلّدون كفاحها، ويفتخرون بها رمزًا للأم المثالية.

وهكذا تظل قصة “آمنة” شاهدًا خالدًا على أن الأم مدرسة حقيقية، بل جامعة للحياة كلها، وأن في صبرها وكفاحها سرّ النصر وضياء الأمل. فمن يحمل قلب أم عظيمة، يحمل معه الدنيا.