كتبت: هاجر حسن
لاحظ الأب أن ابنه يؤدي صلاته بسرعة، ثم يهرول إلى اللعب مباشرة، دون خشوع أو ذكر لله. حتى قبل الطعام وبعده، نادرًا ما كان يتذكر الدعاء. بدا وكأن الصلاة أصبحت عادة بلا روح؛ يؤديها جسدًا، بينما قلبه في مكانٍ آخر.
لم يشأ الأب أن يوبخ ابنه، بل قرر أن يعلمه بطريقه مختلفة.
في أحد الأيام، أحضر زهرتين صغيرتين. ناول ابنه واحدة، واحتفظ بالأخرى، ثم قال له وهو يبتسم:
“ما رأيك أن نلعب لعبة تحدٍ؟ كلٌّ منا يهتم بزهرته، وبعد أسبوعين نرى أيُّنا تزهر زهرته وتصبح أجمل؟”
فرح الابن بالفكرة، وبدأ يسقي زهرته كل يوم حين يتذكر بسرعة، يسكب الماء ثم ينصرف للعب.
أما الأب، فكان يسمي الله، ثم يسقي زهرته برفق، يزيل الأوراق الذابلة، يُهوي التربة، يضيف القليل من السماد، ويمسح الأوراق بحنان، ويتمم بدعاء صغير كلما اقترب منها.
مر أسبوعان، واجتمع الاثنان ليروا النتيجة.
زهرة الابن كانت كما هي، وبعض أوراقها بدأت تذبل، وأطرافها احترقت. أما زهرة الأب، فكانت نضرة، زاهية، وقد بدأت براعم صغيرة تتفتح فيها.
قال الابن بدهشة:
“لكني سقيت زهرتي كل يوم! لماذا لم تصبح مثل زهرتك؟”
ابتسم الأب وقال:
“نعم، سقيتها، لكن بسرعة، دون اهتمام حقيقي. أنا لم أعطِ زهرتي ماءً فقط، بل رعاية وحنانًا ودعاء. أزلت عنها ما يؤذيها، واعتنيت بها كأنها كائن حي يشعر بي.”
ثم أضاف وهو ينظر إلى الزهرتين:
يا بني، ليس كل غذاء يُرى أو يُلمس؛ فلكل كائن غذاءٌ للروح، يضيئه ويمنحه الحياة. كما أن الزهرة لا تنمو بالماء فقط، فكذلك القلوب لا تحيا بالغذاء الجسدي وحده، بل بالذكر والخشوع والتدبر. لا تزهر الطاعة بالحركات الجسدية فقط، بل بالطمأنينة التي تسكن القلب.
سكت الطفل قليلًا، وهو يتأمل زهرته، ثم رفع رأسه إلى والده بخجل.
فقال الأب بهدوء:
“يا بني، قال نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكره، مثل الحي والميت”
عندها أدرك الغلام أن والده لم يكن يتحداه لأجل الزهور فقط، بل ليعلمه درسًا عن صلاته وقلبه. فهم أن القلب، مثل الزهرة، لا يزهر إلا بالإهتمام والذكر والخشوع، وأن صلاته السريعة بلا تدبر لا تنبت في الروح نورًا. وعرف أن الذكر هو غذاء القلب، وأن لكل كائن غذاءً خفيًا يحيي روحه.






المزيد
السند الحقيقي بقلم الكاتبة إسراء حسن عبدالله
الأمانة أجمل
يوم النجاح