مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سراب الوعد

Img 20250203 Wa0049

 

كتبت: خولة الأسدي 

 

بَدا الليلُ حافلًا بالسِّحرِ، بِسَمائِه المُطَرَّزَةِ بالنُّجومِ، ومِصباحِه القَمَرِيِّ المُنيرِ بضياءٍ يَشِعُّ سُرورًا مِن بَهجَةٍ، لَكَأنَّهُ شمسٌ أُخرى، تَتَسَلَّلُ أشِعَّتُها إلى قُلوبِ العاشِقينَ لِتَنْشُرَ دِفْءَ الخَيالاتِ الحالِمَةِ في أَرجائِها.

 

وفي تِلكَ الأَجواءِ المُفْعَمَةِ بالمَشاعِرِ، وَقَفْتُ جِوارَ النّافِذَةِ، أَنظُرُ إلى السَّماءِ، وأَنا أَشعُرُ أَنَّ ظَلامَ الليلِ الصّامِتَ يَعكِسُ حالَ أَحْزانِي، التي أُحاوِلُ مُدارَاتِها بِهُدوءٍ مُخادِعٍ كَهُدوئِه، فيما خَلْفَ ذلكَ بَراكينُ مِن وَجَعٍ، وأَعاصيرُ مِن أَلَمٍ.

 

وَوَقَفْتُ يَمْضَغُنِي البُؤسُ، أُحاوِلُ استِحضارَ طَيْفِكَ، في مُحاوَلَةٍ بائِسَةٍ لِهَزيمَةِ الرَّهَقِ المُسْتَفْحِلِ في كِيانِي، الذي أَصبَحَ دونَكَ كأَرْضٍ جائِفَةٍ، تَرقُصُ الهُتُوفُ في أَرجائِها الخاوِيَةِ، مُشْعِلَةً نِيرانَ الوَجْدِ والحَنِينِ في كُلِّ ما تَجِدُهُ أَمامَها.

 

وكَكُلِّ مَرَّةٍ، ما إِنْ تَتَرَاءى لِعَينَيَّ قَلْبِي، حَتَّى تَنْتَحِبَ نِياطُهُ شَجًى وصَبابةً، وتَتَفَجَّرَ مِن الهُلامِ تَفاصيلُ تَكْوِي الرُّوحَ بِلَهيبِ القَهْرِ، الذي يُذْكِيهِ حَطَبُ اليَأْسِ، واليَقِينُ مِن أَنَّهُ لَنْ يَكونَ هُنالكَ لِقاءٌ في يَومٍ!

 

وأُسَلِّمُ لِضَعْفِي أَخِيرًا في بُكاءٍ بائِسٍ، وأَنا أَلْعَنُ قَلْبِي الأَحْمَقَ الذي تَعَلَّقَ بِحِبالٍ مِن وَهْمٍ، وذَبَحَ سَعادَتِي القَليلَةَ تَحْتَ أَقْدامِ الحُبِّ، وهو يَعِدُنِي بِقَوافِلَ مَلأَى بِالسُّرورِ، الذي سَيُنسيِنِي كُلَّ التَّضْحِياتِ، ولَكِنِّي كُنتُ أُخادِعُ نَفْسِي بِادِّعاءِ تَصْديقِهِ، وقد كُنتُ أَعْلَمُ في سِرِّي، أَنَّ الحُبَّ أَكْبَرُ مَصَّاصٍ لِلدِّماءِ، ولَمْ يَحدُثْ أَنْ كانَ لَهُ سِوى ضَحايا، ولَمْ يَتَصَدَّقْ وَلَوْ بِنَزْرٍ يَسِيرٍ مِنَ السَّعادَةِ التي سَرَقَها على مَرِّ العُصورِ، تَحْتَ أَلْفِ مُسَمًّى وعُذْرٍ، على أَيِّ عاشِقٍ أَبْلَهَ!

 

ولَكِنَّ خَوْفِي لَمْ يَكُنْ مِنْ خِسَّتِهِ، فَقَدْ كُنتُ أَتَوَقَّعُها، بَلْ ولَمْ أَنْتَظِرْ غَيْرَها. وما كانَتْ خَشْيَتِي سِوى مِن خِذْلانِكَ، وتَآمُرِكَ مَعَهُ ضِدَّ قَلْبِي الأَخْرَقِ، الذي فَقَدَ رُشْدَهُ في حَضْرَتِكَ، حَدَّ عَدَمِ تَوَجُّسِهِ مِمَّا كانَ يَنْتَظِرُهُ، وهو الذي لَطالَما كانَ شَديدَ اليَقَظَةِ.

 

ولَكِنَّكَ خالَفْتَ كُلَّ تَوَجُّساتِي، وخَدَعْتَ حَتَّى الحُبَّ، وذَهَبْتَ على غَيْرِ انْتِظارٍ، أَوْ بِالأَصَحِّ سَرَقَكَ الغِيابُ، لِأَبْقى وَحْدِي، أُسامِرُ الليلَ، وأَحْتَسِي كُؤوسَ الوَجَعِ، وأَنا أُقَلِّبُ في ذِكْرَياتِنا، لِأَجْلِدَ نَفْسِي بِما تَحْمِلُهُ مِن وَجْعِ الحَنِينِ، كَأَنِّي أُعاقِبُنِي على ما ظَنَنْتُهُ فيكَ!