مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

زوايا لا تُرى إلا بالقلب» بقلم عمرو سمير شعيب 

«زوايا لا تُرى إلا بالقلب»

للكاتب / عمرو سمير شعيب

 

أحيانًا لا تكون المشكلة في ما نمرّ به، بل في الزاوية التي نقف عندها ونحن ننظر. فالحياة لا تمنحنا مشهدًا واحدًا ثابتًا، بل تفتح أمامنا احتمالات كثيرة للفهم، وكل زاوية تحمل حكاية مختلفة، ووجعًا مختلفًا، وطمأنينة محتملة. نحن لا نُغيّر الأحداث حين نُغيّر نظرتنا، لكننا نُغيّر المسافة بيننا وبين الألم، بيننا وبين القبول، وبيننا وبين أنفسنا.

حين نُصرّ على رؤية الأمور من جهة واحدة، نُقيّد أرواحنا داخل إطار ضيق، ونحمّل قلوبنا ما لا تحتمل. نعتقد أن الحقيقة واحدة، بينما هي في الواقع أوسع من قدرتنا على الإحاطة، وأرحم حين نسمح لها بأن تتعدد. فليس كل ما يبدو خسارة خالصًا، وليس كل ما نخشاه شرًا محضًا، وليس كل تأخير عقابًا. بعض الأشياء لا تنكشف إلا إذا أدرنا ظهورنا قليلًا لزاوية الألم، ونظرنا من حيث لم نعتد النظر.

تعدد زوايا الرؤية لا يعني الهروب من الواقع، بل مصادقته بوعي أعمق. أن نعترف بأن النفس لها حق علينا، وأن القسوة في الحكم قد تكون ظلمًا لأنفسنا قبل أن تكون قسوة على الحياة. نُجرّب أن نرى بعين العقل، ثم بعين القلب، ثم بعين الرحمة، حتى نجد الزاوية التي تُخفف عنا ثقل الفهم، وتمنحنا سلامًا داخليًا لا ضجيج فيه.

وفي النهاية، لا نختار دائمًا الزاوية الأوضح، ولا الأقوى منطقًا، بل تلك التي تُشبهنا في هذه المرحلة، وتخاطب هشاشتنا دون أن تجرحها. نختار ما يُبقينا متماسكين، قادرين على الاستمرار، مطمئنين إلى أن ما لم نفهمه اليوم، ستتكفّل الأيام بتوضيحه حين نكون أكثر استعدادًا. فسلام النفس أحيانًا ليس في معرفة كل شيء، بل في اختيار الرؤية التي تُبقينا على قيد الأمل.