مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَبقلم هاني الميهي

الفصل الثالث
حين تظن أن السيطرة هي الحل
اسم الكتاب:
﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
اسم الكاتب:
هاني الميهى

حين يعجز الإنسان عن تفسير الألم،
وحين لا تمنحه الحياة إجابة واضحة،
يبدأ في الانتقال إلى خيار آخر:
خيار السيطرة..
ليس لأن السيطرة تحلّ،
بل لأنها تمنح شعورًا مؤقتًا
بأن الأمور لا تزال في اليد.
في هذه المرحلة،
لا يعود السؤال: لماذا حدث هذا؟
بل يصبح: كيف أوقفه فورًا؟
وهنا تتولد أخطر الأوهام:
أن الألم يمكن إدارته بالقوة،
وأن الضرّ يمكن كسره بالإرادة وحدها،
وأن الضغط على النفس
يعوّض غياب الفهم.
في الإدارة،
هذا المشهد معروف.
قائد يدخل أزمة مفاجئة،
فيضاعف الاجتماعات،
ويكثّف القرارات،
ويُحكم القبضة على التفاصيل،
كأن السيطرة على الجزئيات
ستمنع انهيار الصورة الكبرى.
لكن الأزمات لا تُدار بالقبضة،
بل بالبصيرة.
كذلك الألم.
من يظن أن الحل هو السيطرة
سيُرهق نفسه أكثر،
لأن الألم لا يستجيب للأوامر،
ولا ينتهي بالتحدّي المباشر.
الضرّ ليس خصمًا في ساحة،
بل حالة تعيد ترتيب الداخل.
ومن يحاول التعامل معه كعدو خارجي
يفوّت الرسالة.
السيطرة في أصلها
ليست قوة،
بل خوف متخفٍّ.
الخوف من الفراغ،
الخوف من العجز،
الخوف من أن تُترك بلا أدوات.
ولهذا،
حين يشتد الضرّ،
يبدأ الإنسان في إدارة حياته
كما يدير من يقف على حافة الانهيار:
يريد أن يضمن كل شيء،
أن يراقب كل شيء،
أن يمنع المفاجأة القادمة بأي ثمن.
لكن المفاجأة الحقيقية
أن هذا السلوك
هو ما يضاعف الألم.
في النفس،
الإفراط في السيطرة
يخلق توترًا دائمًا،
ويحوّل الصبر إلى صراع،
ويجعل الإنسان في حالة استنفار
لا تسمح له بالاتزان.
وفي القيادة،
القائد الذي يبالغ في التحكم
يخسر الثقة،
ويخسر المرونة،
ويخسر القدرة على رؤية الصورة الكلية.
أيوب لم ينجُ
لأنه سيطر على الألم،
بل لأنه أدرك أن الألم
ليس مجالًا للسيطرة
بل مجالٌ للتسليم الواعي.
التسليم هنا
ليس استسلامًا،
بل إدراكًا عميقًا
أن بعض المراحل
لا تُدار بالقوة،
بل تُدار بالثبات الداخلي.
الرحمة في هذه المرحلة
تظهر في تحريرك
من وهم السيطرة المطلقة.
أن تفهم أن بعض ما يحدث
لن ينتهي حين تأمره،
بل حين تكتمل فيك القدرة
على عبوره دون تشويه.
كثيرون يظنون
أن القوة هي ألا تتألم،
لكن القوة الحقيقية
أن تتألم
ولا تفقد اتزانك.
أن تمرّ بالعاصفة
دون أن تتحول أنت
إلى عاصفة داخلية.
السيطرة ليست الحل،
لأن الألم ليس خللًا بسيطًا.
الألم مرحلة إعادة بناء،
ومن يرفض إعادة البناء
سيبقى أسير الإصلاح المؤقت.
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي:
حين تدرك أن ما تحتاجه
ليس أن تتحكم في الألم،
بل أن تتحكم في ردّك عليه.
أن تدير نفسك
قبل أن تدير الظروف.

رسالة الفصل الثالث
وهم السيطرة يزيد الألم ثقلًا،
أما الثبات الداخلي
فهو أول أبواب الرحمة.

تمهيد الفصل القادم
بعد أن يتعب الإنسان من السيطرة،
يبدأ في مواجهة أعمق:
كيف يصبح الصبر نظامًا داخليًا
لا مجرد تحمّل مؤقت؟

#ربإنيمسنيالضر
#وأنت
أرحمالراحمين
#هاني
الميهى
#قيادةالذات
#إدارة
الألم
#الصبرالواعي
#الرحمة
كقوة