مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ركّز وقت الخلاف بقلم إسلام محمد 

ركّز وقت الخلاف بقلم إسلام محمد

 

وقت الخلاف هو الامتحان الحقيقي للأخلاق، اللحظة التي يظهر فيها جوهر الإنسان بلا زينةٍ ولا أقنعة. فليس الشاطر من يُجيد الكلام في السلم، بل من يحافظ على لسانه وعدله حين يشتد الخلاف. كثيرون يبدون طيبين ما دامت الأمور بخير، لكنّهم إذا اختلفوا، انقلبوا إلى وجوهٍ أخرى لا تعرفها، وتحوّل الخلاف البسيط إلى ساحةٍ للفجور والتشويه والكذب.

 

إنّ من أبشع صور الانحراف الأخلاقي أن يفجر الإنسان في خصومته، فينسى المعروف، ويتناسى الأيام الطيبة، ويبدأ في تشويه صورة من كان يومًا قريبًا منه. يفضح الأسرار، ويرمي الكلام بالباطل، ويستخدم الكذب كسلاحٍ ليثبت أنه على حقّ، وهو في الحقيقة لا يدافع إلا عن أنانيته وغروره. هؤلاء لا يعرفون معنى الخلاف الشريف، ولا يدركون أنّ الاختلاف لا يعني العداء.

 

الفجور في الخصومة يكشف النفوس الخبيثة، تلك التي كانت تخفي الحقد تحت قناع الودّ، وتخزّن السوء انتظارًا للحظة الانفجار. وقت الخلاف، ركّز جيدًا، ستكتشف من كان يحبك حقًّا، ومن كان ينتظر سقوطك ليفرح. ستعرف من يناقشك بعقلٍ ومن يهاجمك بحقد، من ينتقدك بهدف الإصلاح ومن يشوّهك رغبةً في التشفي.

 

ركّز على الأفعال لا الأقوال، فالكلمات تُزيَّن، لكنّ التصرفات تفضح. هناك من يُظهر الوقار، فإذا غضب، خرج منه كلّ ما في داخله من سوادٍ دفين. وهناك من يحفظ لسانه حتى وهو موجوع، لأنّه يعرف أنّ الكلمة سهم، إن خرجت لا تعود. هؤلاء هم أصحاب النفوس النقية التي لا تبيع أخلاقها في لحظة انفعال.

 

الخلاف لا يُعطيك الحقّ في أن تفضح، ولا أن تُعيّر أحدًا بما كان. فالكريم يختلف بأدب، والشريف يحافظ على ما كان بينه وبين الناس حتى بعد القطيعة. أمّا الذي يشوّه ويكذب، فهو يفضح نفسه قبل أن يفضح غيره.

 

تذكّر دائمًا: لا تُحكم على الناس في الرخاء، بل راقبهم وقت الخلاف. هناك فقط تظهر المعادن الحقيقية، وتنقلب الأقنعة، وتُكشف النفوس. فحين ترى من يفجر في خصومته، ويقلب المعروف إساءة، فاعلم أنّك كنت تتعامل مع قلبٍ خبيثٍ متخفٍّ بثوب الطيبة. واحمد الله على انك رأيت حقيقته، لأنّ الخلاف كشف لا خسارة.