كتبت مريم جمال
ها هي ذي أيادي الخريف العجوز تُذَرْوِحُ بِذَهَبِها الأخير على صدر الأرض، كل ورقةٍ تسقطُ كقلبٍ نَزِفَ حنيناً ثمّ استسلمَ لقانون الفناء. يا لَقساوةِ المنازل التي تخلّى عنها السّكان، فصارت هياكلَ تَئِنّ تحت وطأة الصمت!
أجثو على ركبتيّ أمام مذبح الذكريات، أتلمّسُ آثار أقدامٍ غَبراءَ في درب الرّاحلة. أترى، هل يَسمعني أحدٌ وراء حُجُب الماضي؟ أم أنّ أصواتنا ما هي إلا صَداً يَضيعُ في متاهاتِ الزمن اللّجية؟
السّاعةُ العتيقةُ على الجدار تَئِنّ كعجوزٍ تَعدّ أنفاسها الأخيرة، كلّما دارت عَقاربها سَقطت مِنّا لَفظةٌ من قاموسِ العمر. حتى الضّوءُ الشّاحبُ الذي يَتَسلّلُ من شبّاك الغُرفة، يُذكّرُني بأنّ النّهاراتِ التي عَرفْتُها قد صارتْ أطيافاً!
– تَتَطايرُ الصّورُ كأوراقِ الخريفِ الذّابلة
– ويَبقى أنا وحدي، كشجرةٍ عاريةٍ تُصارعُ رياحَ النّسيان
– وها هو قلبي، كطائرٍ حَزينٍ يُغنّي على أغصانِ الماضي اليابسة
أيها الزّمنُ الغادر! لقد جَعلت منّي شَاهِداً على رَحيلِ كلّ ما أُحبّ. فها أنا ذا، كالظّلّ الذي يَرقُصُ على الجِدار، أتحسّسُ وجودي في غيابِ كلّ شيءٍ جميل.






المزيد
من وجع التجربة إلى نضج الفهم بقلم ابن الصعيد الهواري من وجع التجربة إلى نضج الفهم
كلام القهاوي لا يغيّر قلوب النبلاءبقلم ابن الصعيد الهواري
ليتني أستطيع بقلم سها مراد