مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رفقة أخوية بين حياة وموت في غزة

Img 20240510 Wa0108(1)

كتبت: هاجر حسن

“سنشد عضدك بأخيك”،
هكذا كانت ترددها أمي لي ولأخي صباحًا عند الاستيقاظ وليلًا قبل الخلود للنوم.
تلك العبارة لم تغادرنا يوم، حفظناها عن ظهر قلب كنشيد الصباح.
إذا ما تعثر أحدُنا، كان الآخر بجانبه، يمده له يده مرددًا بعزمٍ: “سنشد عضدك بأخيك.”

وعدت أخي أن أكون له كهارون، وبالمثل هو وعدني أن يكون لي قوة كموسى -عليه السلام-.

في ظُهر يومٍ مشمسٍ في رفح، أخذنا أنا وأخي بقايا الألوان في شنطة مدرستنا، مدرستنا التي ردمت فلم يبق منها سوى صورةٍ مرسُومةٍ في ذاكرتنا.

رسمنا على ورقةٍ كبيرةٍ لوحة بها أرض فلسطين مليئة بالحقول الخضراء وأشجار الزيتون التي تصافح السماء.
رسمت أخي شاب مُعلمٍ، يقف شامخٌ في الحقول، وخلفه علم فلسطين يرفرف بحرية.
وأنا؛ رسمني أخي كطبيب بالثوب الأبيض، أقف بفخرٍ تحت أشجار الزيتون المثمرة.
كتبنا على اللوحة: “حُلم على ويزن بفلسطين الحرة.”
قال أخي: “لنُخبئ هذه اللوحة ونحتفظ بها حتى نكبر”، وتعاهدنا على محاولة تحقيق حُلمنا معًا، يدًا بيدٍ، في قلب عالم كمصاص الدماء في شراسته.

إنه صباح اليوم 215 بالحرب في غزة، ها أنا الآن يداي مُمسكةً بيد أخي، ويدي الأخرى احتضنت رأسه، محشورين بين الأنقاض؛ الطوب، وأسياخ الحديد، أشد على يد أخي. انظر إلى السماء باكيًا، فاقدًا للنطق وللحركة.

ها أنا يا أمي أردد: “سنشد عضدك بأخي،” لكن الآن الأمر مختلف فأنا أرددها لأخي في الموت لا في الحياة.

إن وقعت اللوحة في يدك، وأنت الآن تقرأ ما كُتب خلفها، فاعلم أنك تقرأ قصة لأخوين لم يتعد الثماني سنواتٍ زُهقت أرواحهم ورحلت إلى السماء.
وضعوا في حُسبانهم، أن مصيرهم قد يكون مثل من سبقوهم من أطفال غزة اللاتي زهقت أرواحهم تحت الأنقاض، لذا؛ عزمنا وخلف رسمتنا كتبنا قصتنا بأحرفٍ من الخوف.
اعلم أن في غزة بات أمر الأخوة مختلفًا، غزة؛ “رفقة أخوية بين حياة وموت.”

أيها الأخُ العزيز الممسك بلوحتنا الطفولية، لا تبكي، فقصتنا لن تنتهي، ناضل، حارب، دافع، حتى تعود أرضنا، أرض فلسطين البهية حُرةً وأبية…..