كتبت ملاك عاطف
كان (صلى الله عليه وسلم) مثقلًا بحزنه على زوجته السيدة خديجة -رضي الله عنها-، وعلى عمّه أبي طالب؛ فأتاه الحنان الرّبانيّ، ونزلت على كتفه بخفّةٍ تلك التّربيتة السّماوية حين نزل جبريل -عليه السلام- على البراق؛ لتكون مستقرّه في سفره، ويكون بركتها وعزّها في رحلتها. غادرت البيت العتيق بخطىً مهرولةً كالبرق، وحطّت عند حائط البراق، فهبط النّبي الكريم عن ظهرها؛ لتعانقه أنوار الأقصى، وتمزج القدس قداستها بقداسة روحه الشّريفة، ثمّ صلّى إمامًا ب 124 ألف نبيّ؛ فكان سيّدهم، وحمل لواء روحانيّة العالم على كفّ خشوعه بين يدَيْ سجدتينن.
ارتقى بعدها إلى السّماوات العلا، وظلّ في صعودٍ بهيٍّ اقشعرت لهيبته أفئدة سكّان السماوات جميعًا، حتّى وصل إلى سدرة المنتهى، فتزيّنت لعينيْه بأبدع الألوان المتّسقة، ودلف إلى السّدرة، فعظمت مكانته، وصار قاب قوسين أو أدنى من ربّ العزّة! رأى كيف تتصاغر الملائكة؛ رهبةً وإكبارًا لله، ورأى جبريل عليه السّلام، هذا الملك العظيم ذي الأجنحة الستّ مئة، رآه كالسلح البالي؛ لشدة تنزيهه لله وخشيته منه، ورأى طقطقة السماء وازدحامها بالملائكة الرّكع السّجد؛ إذ يصلّي في البيت المعمور سبعون ألف ملك، ثمّ لا يدخلونه من بعد ذلك أبدًا إلى يوم القيامة؛ فالملائكة كثرٌ كثر، ولا متّسع في حضورهم لقيد أنملة! ويكون مسك الختام فرض الصّلاة علينا، فيأمرنا الله بخمسين؛ حبًا بلقائنا وتودّدًا إلينا، وينزل الرّسول حتّى يصل السّماء الأولى، فيلقى موسى -عليه السلام-، فيسأله: كم صلاةً فرض على أمتك؟ فيقول له إنّها خمسين، فيخبره أنّ بني إسرائيل قد فرض عليهم اثنتين فقط، ولم يؤدوهما؛ من فرط انشغالهم وتلاهيهم بالنّعمة عن المنعم. يرجع الرّسول إلى مولانا ويسأله أن يخفّف علينا، فينقص منها عشرا، فيمرّ بموسى -عليه السلام- ثانيةً ويعاد المشهد، ويظلّ الرّسول يسأل الله التّخفيف عنّا إلى ان يأمر بخمس صلوات في اليوم، ويسأله -موسى عليه السلام- أن يرجع إليه -سبحانه وتعالى- طالبًا التّخفيف، فيستحي نبيّنا، ويقضي إلينا ربّنا بخمسة فرائض تامّةً، ويكتب لنا أجرًا بها كأجرِ خمسين!
فلا كرم بعد هذا الكرم، ولا حب بعد هذا الحب، ولا اصطفاء بعد هذا الاصطفاء!
يعود الرّسول إلى مكّةَ مهمومًا لا يدري كيف السّبيل لإقناع قريش بتصديقه، فيعود التّكذيب والإنكار، ويذكر لهم علاماتٍ جليّة أكيدة يعرفونها بلا أدنى إيمان، بل يزدادوا عنادًا وإنكارًا لروايته، ثمّ يسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فينسى بعضًا من شوارعها ومداخلها، وتتداخل في ذهنه صور خريطتها، ويأذن الله لتلك المدينة الآسرة المباركةِ أن تأتيه طوعًا، فتتعلّق أمامه في السّماء، ويعود لوصفها بتفاصيلها وهو ينظر إليها وتكحّل هي أزّقتها بنظراته، وتفرح به وهو يحفظ ملامحها، وتفرح بحجارتها وهي محجوبةٌ عنهم متجلّيةٌ في قلبه (صلّى الله عليه وسلم).
ويستمرّ التّكذيب، ويصدّقه أبا بكر -رضي الله عنه- وصحابته الكرام، ونصدّقه نحن بعبادةٍ، وذكرٍ، وصلاة. نصدّقه بكلّ جوارحنا، ونرجو من الله أن يحمل عنّا همًّا أُثقل علينا؛ بسبب أوزارنا، ونطمع أن يغفر لنا، وأن يقسم لنا من جبره، آمين.






المزيد
متعة الإبحار مع القمر بقلم محمد طاهر سيَّار الخميسي
طائِرٌ في سَماءِ الأدب بقلم الكاتب اليمني محمد طاهر سيار الخميسي.
أندا قطرة بقلم مريم الرفاعي